جاري تحميل التقرير...

يُعد حي الضلع أحد المواقع التراثية المميزة في منطقة الجوف، وتحديدًا بمدينة سكاكا. ويشتهر الحي بطابعه العمراني التقليدي وبيوته المتلاصقة التي تنتشر على سفح تل، ويمتد على مساحة تبلغ نحو 3,918.69 م². وتعود ملكية الموقع حاليًا إلى أفراد من أهالي الحي، بينما تشرف هيئة التراث على الجانب التنظيمي التراثي للموقع، دون وجود مشغّل فعلي يدير أنشطة أو برامج داخل الحي في الوقت الراهن. ويعكس هذا الحي صورةً حيةً من ذاكرة الجوف العمرانية، ويسلط الضوء على أهمية الحفاظ على ملامح الأحياء التراثية وصونها باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الهوية المحلية والتراث الوطني.
يُصنَّف الحي ضمن الفئة الخامسة وفق السجل الوطني للتراث العمراني، وتقع إحداثياته عند دائرة عرض 29.992 شمالًا، وخط طول 40.202 شرقًا.1
يُعد حي الضلع نموذجًا حيًا للنسيج العمراني التقليدي الذي يعكس أسلوب الاستقرار البشري في واحات شمال الجزيرة العربية، ويمثل واحدًا من أبرز الشواهد على تطور التخطيط العمراني والعمارة المحلية خلال القرن الثاني عشر الهجري (القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين). ويتميز الموقع بتخطيطه المتضام، حيث تتكامل الوحدات السكنية المبنية غالبًا من الحجر والطين وجذوع الأثل في نسيج معماري متصل تكتنفه الأزقة الضيقة والمسارات الداخلية المتعرجة ، وبعضها مغطى بسعف النخيل وأغصان الأثل، مما يمنح الحي أبعادًا وظيفية ومناخية ملائمة لظروف البيئة المحلية.
أما المباني في حي الضلع، فمعظمها لا يزال قائمًا على الرغم من تهدم أجزاء كبيرة منه، وتتنوع بين بيوت من طابق واحد وأخرى من طابقين .2 وتزينها عناصر معمارية بسيطة تشمل الأقواس والدعائم الحجرية، مع بعض الزخارف اليدوية المحدودة على الجدران والأسقف المصنوعة من المواد الطبيعية المتوافرة في الواحة. ويجمع الحي عددًا غير محدد من الجدران والمساكن والساحات الداخلية الصغيرة، ليكوّن نسيجًا متكاملًا ييسر حياة السكان ويوفر لهم الخصوصية والحماية من الظروف المناخية القاسية.
تاريخيًا، كان حي الضلع يُعد مركزًا للاستقرار السكاني داخل واحة سكاكا، وتتمثل وظيفته الحالية في كونه موقعًا تراثيًا تزوره وفود الباحثين والمهتمين بالتاريخ العمراني، إلى جانب استمرار استخدام بعض مبانيه سكنًا مؤقتًا أو دائمًا. ويمثل بقاء هذا الحي حتى اليوم دليلًا ملموسًا على مدى قدرة الإنسان المحلي على التكيف مع بيئته، وعلى أهمية صون التراث العمراني في ربط الماضي بالحاضر.3
تتمثل الحالة العامة لحي الضلع الأثري في مدينة سكاكا في أنها دون المتوسط، مع الإشارة إلى وجود تدهور واضح نتيجة فترات طويلة من الإهمال والهجر، مما انعكس على العديد من مبانيه التي تعاني من التآكل والشقوق ، والميلان، وفقدان أجزاء من النسيج العمراني الأصلي بفعل الإزالات السابقة وعوامل التعرية. وعلى الرغم من ذلك، يُعد الحي من المواقع التراثية ذات القيمة التاريخية، ويحتفظ بجاذبية عمرانية قادرة على استقطاب الفعاليات والزوار.4
وشهد الحي تنفيذ أعمال ترميم محدودة في عام 2013، أشرفت عليها الهيئة العامة للسياحة والآثار، حيث تركزت الجهود حينها على تنظيف الموقع من المخلفات وإزالة الأتربة، إلى جانب إعادة بناء بعض مباني الطين باللبن في مناطق متفرقة، واستبدال العناصر الأساسية التالفة، كالجدران والأسقف والأبواب، وذلك باستخدام مواد محلية تقليدية. كما اشتملت الأعمال على إعادة تأهيل بعض الواجهات والمسارات والمزاريب بهدف الحد من تأثير مياه الأمطار.5
وقد أسهمت هذه التدخلات في تحسين بعض المظاهر العمرانية للحي، إلا أنها بقيت محدودة النطاق، ولا ترقى إلى تحقيق إعادة تأهيل شاملة للنسيج التاريخي، حيث ظل عدد من المباني متضررًا بدرجات متفاوتة، مع استمرار التصدعات والتآكل في الطبقات الطينية، وافتقار العديد من الوحدات إلى الترميم الكامل.
وعلى صعيد الصيانة وخطط الإدارة، يُلاحظ غياب تنفيذ برامج صيانة دورية منتظمة، كما لا تتوفر خطة إدارة وحفاظ معتمدة للموقع حتى الآن، إذ لا تزال قيد الإعداد ولم تدخل حيز التنفيذ. ويقلل هذا النقص في الإدارة الفنية والتقارير الدورية الموثقة من فعالية حماية الحي على المدى الطويل، ويجعل جهود المحافظة عليه محدودة الأثر.
ويتعرض الحي لعوامل تدهور متعددة، من بينها العوامل الطبيعية، كالحرارة الشديدة، والأمطار الموسمية، والرطوبة التي تتسبب في تآكل المواد المعمارية وزيادة تشققات الجدران . بالإضافة إلى ذلك، تبرز العوامل البشرية متمثلة في الإضافات العشوائية، والتعديات غير المنضبطة، وإهمال الصيانة على مدى سنوات ، مما أسهم في تفاقم مظاهر التلف العمراني.
وبذلك، يمكن وصف حالة الحي حاليًا بالمتوسطة، فهو ما يزال قادرًا، بشكل محدود، على مواصلة أداء وظائفه والمحافظة على قيمته التراثية، لكنه بحاجة ماسة إلى تدخلات شاملة وخطط إدارة وصيانة مستدامة تضمن حمايته وتعزز استمرارية رمزيته التاريخية والمعمارية مستقبلًا.
تُظهر نتائج التقييم أن حالة الحماية في الموقع محدودة، فهو لا يتمتع بسور محيط أو منطقة عازلة تسهم في تعزيز حماية الموقع، مما يجعل حدوده مكشوفة أمام الدخول غير المراقب والتعرض للمخاطر الخارجية. ويتوفر بالموقع كاميرتا مراقبة تعملان على تغطية جزئية لنطاق الحي، ومع ذلك فإن عدد الكاميرات المحدود لا يحقق رقابة شاملة أو فعالة على جميع أجزائه، خاصة مع المساحات المتداخلة والتعرجات المعمارية. وتتمثل الوسائل التحذيرية المتوفرة في لوحة تحذيرية واحدة عند أحد المداخل، وهو ما قد لا يكون كافيًا لتنبيه الزوار أو العاملين إلى مناطق الخطر داخل الموقع، وذلك في ظل غياب لوحات إرشادية أخرى تحدد المسارات أو تشير إلى المواقع الإنشائية المهددة.
ولا تتوفر أنظمة حماية بشرية، كالحراسة الدائمة أو أنظمة الإنذار، كما لا تشير المعطيات إلى وجود وسائل إطفاء أو إجراءات استجابة سريعة داخل الحي نفسه.
وعلى الرغم من ذلك، يحظى الموقع بقرب نسبي من بعض خدمات الطوارئ، حيث يبعد مركز الدفاع المدني والمركز الطبي عن الحي مسافة تُقدَّر بنحو 3 كم، بالإضافة إلى توفر مضخة مياه للطوارئ على بعد نحو 500 م من الموقع، وهو ما يعزز إمكانية التدخل في حالات الحوادث أو الحرائق.
ولأن فعالية التدابير الراهنة لا تزال محدودة، فإن ذلك يستدعي تبني منظومة شمولية لضبط الدخول، ورفع مستوى الرقابة، وتكثيف التوعية والعلامات التحذيرية؛ لضمان رفع مستوى الأمان والحفاظ على القيمة التراثية لحي الضلع من المخاطر المحتملة.6
تمتاز إمكانية الوصول إلى حي الضلع الأثري بكونها متاحة نسبيًا عبر شبكة من الطرق المعبدة التي تربط الموقع بالمناطق المجاورة ومدينة سكاكا، إذ يمكن الوصول إلى الحي بسهولة من خلال السيارات الصغيرة أو سيارات الدفع الرباعي، دون الحاجة إلى استخدام طرق ترابية أو غير مهيأة.
ومن ناحية أخرى، يتمتع الموقع بقرب جغرافي من مطار الجوف الإقليمي، إذ تبلغ المسافة بين الحي والمطار نحو 30 كم فقط، الأمر الذي يعزز إمكانية زيارة الموقع من قبل القادمين من خارج المنطقة، ويوفر انسيابية في وصول الزوار والمهتمين بالتراث، ولا سيما عند تطوير شبكات النقل الداعمة مستقبلًا.7
تُظهر منظومة إدارة الزوار والتفسير في حي الضلع مستوىً متوسطًا من التنظيم، مع بعض نقاط القوة التي يمكن البناء عليها، إلى جانب جوانب قصور واضحة تتطلب تطويرًا مستقبليًا لضمان تحقيق تجربة زائر متكاملة وتحقيق أهداف التوعية والتفسير. فعلى صعيد المسارات، تتوفر مسارات مخصصة للزوار تتيح التجول داخل الحي، كما خُصصت مواقف للسيارات بطاقة استيعابية محدودة جدًا (موقفان فقط)، مما قد يحد من قدرة الموقع على استقبال أعداد كبيرة من الزوار في وقت واحد.
وتعتمد البنية التحتية للموقع على توفر خدمات أساسية، مثل الكهرباء والمياه وشبكة الاتصالات ، في حين تظل خدمات الصرف الصحي محدودة. وتشمل المرافق المتاحة للزوار دورة مياه واحدة، ومكانًا واحدًا للاستراحة ، إلى جانب مطعمين يقدمان خدمات الضيافة، إلا أن هذه الخدمات لا تغطي جميع احتياجات الزائرين، ولا تتناسب مع احتياجات ذوي الإعاقة، حيث تفتقر المنظومة إلى مسارات أو مرافق مهيأة لهذه الفئة.
أما فيما يخص عناصر التفسير، فالموقع يعاني محدودية في وسائل الإرشاد والشرح، إذ تقتصر الوسائل الإرشادية على لافتة واحدة باللغة العربية عند مدخل الحي ، ولا تتوافر منشورات تثقيفية، أو مواد سمعية وبصرية، أو خدمة للإرشاد السياحي الشخصي، كما لا يوجد مركز للزوار أو موقع إلكتروني يقدم معلومات شاملة عن الموقع. وتعتمد سياسة الدخول على الدخول المجاني، في ظل غياب أي نظام للتذاكر.
ومن حيث الطاقة الاستيعابية، لا تتوافر بيانات رسمية عن أعداد الزوار، وهو تحدٍ يؤثر في قدرة الإدارة على تطوير الخدمات الملائمة وتحسين تجربة الزوار. وبوجه عام، تحتاج منظومة إدارة الزوار والتفسير في حي الضلع إلى تعزيز الموارد والخدمات التفسيرية، وتهيئة البنية التحتية بصورة أكثر تكاملًا، ولا سيما فيما يتعلق بذوي الإعاقة، وابتكار أدوات حديثة تفاعلية للتواصل مع الزوار وتعزيز فهمهم لقيمة الموقع التاريخية وأهميته.8
يمتاز حي الضلع الأثري بموقعه الاستراتيجي بالقرب من عدد من مواقع الجذب السياحي والمعالم التراثية في مدينة سكاكا، مما يمنحه مكانة خاصة ضمن المسارات السياحية للزوار والمهتمين بالتاريخ والثقافة المحلية.
ويقع الحي على بعد نحو 1 كم فقط من قلعة زعبل التاريخية، كما يفصله نحو 500 م عن واحة سكاكا الشهيرة، مما يتيح للزائرين استكشاف هذه المعالم التراثية بسهولة ضمن رحلة واحدة. ويقع بالقرب منه أيضًا مسار سياحي يربط قلعة زعبل ببئر سيسرا وغار حضرة، على مسافة لا تتجاوز 1 كم، في حين يبعد وسط مدينة سكاكا قرابة 2 كم، الأمر الذي يوفر سهولة الوصول إلى الخدمات والمرافق العامة.
أما من ناحية الإقامة والخدمات السياحية، فيقع أقرب فندق على بعد نحو 3 كم من الموقع، بالإضافة إلى توفر مطاعم ومقاهٍ قريبة تخدم الزوار وتلبي احتياجاتهم أثناء رحلتهم.9
وفيما يخص الفعاليات والمناسبات، فقد شهد الحي في يناير 2016م إقامة مهرجان الزيتون بالجوف «زيتوننا بركة»، حيث بُثت فيه الحياة من جديد من خلال مجموعة متنوعة من الفعاليات التراثية والاجتماعية. وشملت فعاليات المهرجان عروض الألعاب الشعبية، مثل لعبة «طاق طاقية» و«شد الظهر»، وقدمتها فرق شعبية متنوعة لإحياء أجواء الماضي، بالإضافة إلى استقبال الزوار في بيت الشعر الجوفي، وتقديم القهوة العربية والتمور والشاي، وسط أجواء تقليدية استحضرت روح التراث الجوفي عبر سرد الحكايات القديمة وتبادل الأحاديث حول زيت الزيتون المحلي. وقد أسهم أبناء الحي في تنظيم هذه الفعاليات من خلال التطوع للعمل داخل بيت الشعر ومرافقة الضيوف، الأمر الذي عزز تجربة الزائر وأضفى بعدًا اجتماعيًا على الفعالية.10
وبذلك، يُعد قرب حي الضلع من المواقع التراثية والطبيعية، إلى جانب تنظيم الفعاليات التراثية ووجود أماكن إقامة قريبة، من أبرز عوامل الجذب التي تعزز مكانته السياحية، وتجعله نقطة انطلاق مناسبة لاكتشاف معالم منطقة الجوف، وتؤهله ليكون جزءًا من المسارات السياحية الرئيسة.9
لا يتوفر في الموقع في الوقت الراهن (تموز 2026) أي موظفين أو كوادر بشرية متخصصة لإدارة الموقع أو الإشراف عليه.11

المشهد العام لحي الضلع في الجوف

المشهد الجوي لموقع حي الضلع

بيت في حي الضلع مبني من الحجر والطين وجذوع الأثل

تميز حي الضلع بالأزقة الضيقة والمسارات الداخلية المتعرجة

مجلس الأمير شكر السهيان في حي الضلع الذي يتكون من طابقين

تآكل في طبقات الطين وتشققات في جدران أحد البيوت في حي الضلع

تآكل في المواد المعمارية لبيوت الحي بفعل العوامل الطبيعية مثل الرطوبة والأمطار

إهمال صيانة حي الضلع أدى إلى فقدان عدد من مكوناتها الرئيسية مثل البوابات

إحدى كاميرات المراقبة في حي الضلع

مشهد جوي يظهر حالة الطرق المعبدة المؤدية إلى حي الضلع

مواقف السيارات في حي الضلع

توفر البنية التحتية في حي الضلع مثل الكهرباء وشبكات الاتصالات

أماكن استراحة في حي الضلع يتوفر فيها مرافق للأطفال

لافتة إرشادية أمام مدخل الحي













