جاري تحميل التقرير...

تقع بئر العهن (بئر اليسيرة) في المدينة المنورة، بمنطقة العالية جنوب المسجد النبوي الشريف بما يقارب 3 كم، وتحديدًا إلى شرق مسجد قباء بنحو 1 كم تقريبًا. وتبلغ مساحتها 70.28 م²، وتكتسب البئر مكانة متميزة لكونها ضمن نطاق ديار بني أمية بن زيد من الأنصار الأوس، وهي المنطقة التي كان النبي ﷺ يمر بها، كما تُعد واحدة من الآبار النبوية التي ما زال موضعها معروفًا حتى اليوم، وقد غيّر النبي ﷺ اسمها من العسرة أو العسيرة إلى اليسيرة، في دلالة رمزية ذات بعد ديني ومعنوي عميق.
تُصنف بئر العهن ضمن الفئة الثانية في السجل الوطني للتراث العمراني؛ نظرًا لقيمتها التاريخية. وتكتسب البئر أهمية توثيقية من خلال تسلسل ملكيتها؛ إذ كانت في الأصل مملوكة لبني أمية بن زيد، ثم انتقلت ملكيتها إلى علي العمري، ومن بعده إلى آل شدقم من الأشراف، ثم آلت إلى أولاد علي بن حسن الدمشقي الحسيني، قبل أن تصبح وقفًا لآل البرزنجي في الفترات اللاحقة، مما يعكس استمرارية العناية بها والمحافظة عليها عبر الأجيال. وتقع إحداثيات الموقع عند دائرة عرض 24.43791523 شمالًا، وخط طول 39.6296325 شرقًا.
يتكون الموقع من بئر دائرية يبلغ قطرها نحو 3.5 م، شُيدت باستخدام الحجارة المشذبة والمنتظمة، وثُبتت الفراغات بينها بخليط من الجص والطين . ويرتبط بالبئر أربعة أحواض مكسوة بالجص ، وسبع قنوات مائية يبلغ متوسط عرضها نحو 30 سم، وعمقها 50 سم، إضافة إلى فتحات لتصريف المياه. كما يضم الموقع غرفة مخصصة للسواني (الجمال المستخدمة في سحب المياه بواسطة البكرة)، إلى جانب مبانٍ مشيدة بالحجارة البازلتية ، وعدد من الغرف المسقوفة بجذوع النخيل وسعفه، مع طبقة عازلة منسوجة من أوراق السعف للحماية من مياه الأمطار.
كما يتميز الموقع بعدد من العناصر المعمارية التقليدية، من أبرزها الأبواب المقوسة والخارجية، والأبواب الداخلية المستطيلة ، إضافة إلى درج حجري تظهر عليه مؤشرات ضعف هيكلي ، فضلًا عن سماكة الجدران التي تبلغ نحو 50 سم، مما يعكس الأساليب المعمارية التقليدية المستخدمة في تشييد المنشآت المرتبطة بالمياه خلال تلك الفترة.
ويُعد بئر العهن أحد المواقع الأثرية الإسلامية المرتبطة بمنظومة إدارة المياه في المدينة المنورة، ويؤدي دورًا تاريخيًا يعكس أساليب استغلال الموارد المائية خلال الفترات الإسلامية. وقد استُخدم الموقع تاريخيًا لجلب المياه، بينما يُستخدم حاليًا مزارًا تاريخيًا يقصده الزوار والمهتمون بالتراث. وتُعد بئر العهن قائمة منذ أكثر من 1400 سنة، وقد مرت عليها عبر الزمن عدة تغييرات معمارية.
تعكس حالة الحفاظ في بئر العهن الحاجة إلى تدخلات مستمرة للمحافظة على عناصره الأثرية، إذ لم يسبق للموقع أن خضع لأعمال ترميم سابقة، كما لا يخضع لبرنامج صيانة دورية منتظم، في حين لا تزال خطة إدارة وحفظ الموقع قيد الإعداد. وفي المقابل، تتوفر للموقع تقارير فنية تتمثل في المسوحات الأثرية التي تسهم في توثيق حالته ومتابعة عناصره المعمارية.
ويتعرض الموقع لعدد من عوامل التلف الطبيعية، حيث أسهمت الأمطار في تضرر الطبقات الخارجية وسقوط بعض الأحجار ، كما تسببت السيول في جرف أجزاء من الأساسات السفلية، في حين أدت الرطوبة إلى تأثر العناصر الخشبية والأسقف المشيدة من جذوع النخيل والسعف، إضافة إلى حدوث تهدم جزئي وتراكم للأنقاض في بعض أجزاء الموقع. ولم تُسجل عوامل تلف بشرية مؤثرة بصورة كبيرة في الموقع. ويشهد الموقع حاليًا أعمال ترميم تنفذها شركة الصيرفي، وتهدف إلى المحافظة على مكونات بئر العهن ومعالجة الأضرار الناتجة عن عوامل الزمن والعوامل الطبيعية، بما يسهم في تعزيز استدامة الموقع والحفاظ على قيمته الأثرية والتاريخية.
وفي أعقاب صدور الأمر الملكي القاضي بتحديد المواقع الإسلامية التاريخية في مكة المكرمة والمدينة المنورة والمحافظة عليها، حظيت بئر العهن بعناية رسمية من الجهات المختصة، ضمن مبادرة «إنها طيبة». وأُدرج الموقع ضمن مشروع تطوير وتأهيل المواقع الإسلامية التاريخية، بما يعكس الاهتمام بصون هذا الإرث الديني والتاريخي. ويحظى موقع بئر العهن باهتمام متنامٍ ضمن إطار حماية المواقع التاريخية في المدينة المنورة، خاصة في ظل التوجه العام للعناية بالآبار النبوية. وقد أُشير إلى أن مشروعات تطوير وتأهيل المواقع التاريخية بدأت بالفعل، حيث تم الانتهاء من المرحلة الأولى، على أن تكون بئر العهن ضمن المرحلة الثانية من مشروعات التأهيل، بما يعزز من مستوى الحماية والاستدامة للموقع مستقبلًا.
تتسم منظومة الحماية والأمن في بئر العهن بمحدودية إجراءات الحماية المتوفرة، حيث يحيط بالموقع سور من الشبك الحديدي يسهم في تحديد حدوده وحمايته من الدخول العشوائي، وتبلغ مساحته 6,902.37 م²، إلا أنه لا توجد منطقة عازلة تفصل الموقع عن محيطه. كما يفتقر الموقع إلى خدمات الحراسة الدائمة وأنظمة المراقبة الإلكترونية، ولا تتوفر كاميرات مراقبة، الأمر الذي قد يؤثر في مستوى حماية الموقع ومتابعته بصورة مستمرة. ويضم الموقع لوحة تحذيرية واحدة داخل الموقع، بينما يقع أقرب مركز للدفاع المدني على مسافة تقارب 8 كم، ويبعد أقرب مركز طبي نحو 700 م، مما يتيح سرعة الاستجابة للحالات الطارئة عند الحاجة. ورغم ذلك، فإن محدودية وسائل الحماية والمراقبة تستدعي تعزيز منظومة الأمن والسلامة من خلال توفير الحراسة الدائمة، وتركيب أنظمة مراقبة إلكترونية، إلى جانب تطوير إجراءات السلامة بما يتناسب مع القيمة الأثرية للموقع، ويضمن المحافظة عليه واستدامته.
يتمتع بئر العهن بإمكانية وصول جيدة بفضل وقوعه داخل المدينة المنورة وارتباطه بشبكة من الطرق المعبدة التي تسهل الوصول إليه باستخدام السيارات الصغيرة . كما يقع الموقع على مسافة تقارب 16 كم من مطار الأمير محمد بن عبدالعزيز الدولي، مما يسهل وصول الزوار القادمين من خارج المدينة. وتقع البئر على مسافة تقارب 4.25 كم جنوب شرق المسجد النبوي الشريف، كما تبعد حوالي 1 كم شرق مسجد قباء، وتقع على يسار الطريق الواصل من قربان باتجاه الطريق الدائري، مقابل قصر ومزرعة سوالة.
يُعد موقع بئر العهن من المواقع التراثية المفتوحة للزيارة بوصفه مزارًا تاريخيًا، إلا أن خدمات إدارة الزوار ما تزال محدودة، حيث لا يتوفر نظام تذاكر أو مركز زوار أو مرشدون سياحيون أو عروض سمعية وبصرية تسهم في تقديم معلومات تاريخية ومعمارية عن الموقع. كما لا توجد منشورات تعريفية أو مواد إرشادية متخصصة تساعد الزائر على فهم أهمية البئر ووظيفته التاريخية المرتبطة بجلب المياه في الفترة الإسلامية. ويحتوي الموقع على لوحة إرشادية واحدة داخله، وهي لوحة غير مثبتة، إذ يظهر أنها ملقاة على الأرض وكأنها أحد مخلفات الموقع ، إلا أن محدودية عناصر التفسير والتعريف تقلل من جودة تجربة الزائر وقدرته على التعرف على القيمة التاريخية والمعمارية للموقع. كما يفتقر الموقع إلى مرافق داعمة للزوار، مثل أماكن الاستراحة، والمرافق الصحية، ومواقف السيارات، والخدمات المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة.
وفي المقابل، يفتقر الموقع إلى البنية التحتية الأساسية، إذ لا تتوفر فيه خدمات الكهرباء أو المياه أو شبكات الاتصالات أو الصرف الصحي، كما لا يضم مسارات مخصصة لتنقل الزوار أو حواجز تنظيمية، الأمر الذي يحد من سهولة الحركة داخل الموقع ويؤثر في جاهزيته لاستقبال الزوار بصورة متكاملة. ويبرز ذلك الحاجة إلى تطوير البنية التحتية والخدمات الأساسية بما يتناسب مع القيمة الأثرية للموقع، ويعزز إمكانية الوصول إليه والاستفادة منه.
ويوصى بتطوير منظومة إدارة الزوار من خلال توفير لوحات تفسيرية أكثر شمولًا، وإعداد مواد تعريفية رقمية ومطبوعة، وتوفير وسائل عرض تفاعلية أو جولات إرشادية تسهم في إبراز أهمية بئر العهن وتعزيز تجربة الزائر، مع الحفاظ على الطابع الأثري للموقع.
يقع موقع بئر العهن في المدينة المنورة ضمن نطاق غني بالمواقع التراثية والتاريخية المرتبطة بتاريخ المدينة، مما يعزز من قيمته السياحية وإمكانية دمجه ضمن مسارات الزيارة التراثية. ويقع بالقرب منه عدد من المواقع التاريخية، من أبرزها بئر غرس، الذي يبعد عن الموقع مسافة تقارب 800 م، مما يتيح إمكانية الربط بين الموقعين ضمن تجربة سياحية متكاملة للتعرف على الآبار التاريخية والعناصر المرتبطة بالتراث المائي في المدينة المنورة. ويتميز موقع بئر العهن بقربه من عدد من المعالم الإسلامية والتاريخية البارزة، من أهمها: مسجد قباء (شرق البئر بنحو 1 كم تقريبًا)، وبئر غرس، أحد الآبار النبوية المعروفة، ويقع شمال بئر العهن، ومزرعة سوالة، ومزرعة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (الريس، 2024). وتعزز هذه التموضعات الجغرافية والترابط التاريخي مع المعالم المحيطة أهمية موقع بئر العهن بوصفه جزءًا لا يتجزأ من النسيج التراثي لمنطقة العالية، مما يجعله عنصرًا فاعلًا في مسارات الزيارة التاريخية بالمدينة المنورة.
لا يتوفر في الموقع في الوقت الراهن (حزيران 2026) أي موظفين أو كوادر بشرية متخصصة لإدارة الموقع أو الإشراف عليه.

مشهد عام للموقع

مظهر بئر العهن الدائري وتقنية البناء بالحجارة المشذبة

الأحواض المكسوة بالجص وقنوات التصريف

بقايا المباني المشيدة بالحجارة البازلتية في محيط الموقع

التفاصيل المعمارية للغرف المسقوفة بجذوع النخيل وطبقات العزل التقليدية

النماذج المعمارية للأبواب المقوسة والمستطيلة في المنشآت الملحقة

الدرج الحجري ومظاهر الضعف الهيكلي المرصودة

تراكم بعض الحجارة في الموقع

سقوط أجزاء من سقف الموقع

الطريق المؤدية للموقع

اللوحة الإرشادية المهملة في الموقع










