جاري تحميل التقرير...

يمثّل مبنى الجمارك مركزًا حيويًا ونقطة استراتيجية في بلدة «القحمة» الساحلية الواقعة على ساحل البحر الأحمر، حيث أُنشئ كمكتب رسمي لتطبيق نظام تعريفة جدة الجمركية وجباية الرسوم، وذلك في إطار جهود الحكومة السعودية لتوسيع مجالات التطوير والانضباط الاقتصادي في تلك الحقبة التاريخية. ويتميز المبنى بموقعه المشرف؛ إذ يقع في منطقة «عنقة» التي تشكّل المركز الإداري والتجاري للبلدة، ويطل مباشرة على امتدادٍ مسطح سبخي وميناء بحري طبيعي محمي ينقسم إلى قسمين (شمالي وجنوبي) لتأمين مرسى المراكب الشراعية، مما جعل سطح هذا المبنى نقطة رصد مثالية تكشف جغرافية المدينة، وحزام نخيلها، والمناطق السكنية الأربع المحيطة بها، وصولًا إلى المخاريط البركانية وسلسلة الجبال في الأفق.1
ويُصنف مبنى الجمارك والمالية ضمن الفئة الخامسة (5 Tier) في السجل الوطني للتراث العمراني، ويمتد الموقع على مساحة إجمالية تقدر بـ 1258.13 م²، وهو عبارة عن أطلال وبقايا مهدمة تنتشر على هذه المساحة. وتندرج ملكية الموقع ضمن ملكية هيئة التراث، وهي الجهة الرسمية التي تتولى مهام الإشراف عليه، ويتمركز المبنى عند الإحداثيات الجغرافية: دائرة عرض (18.0015202) شمالًا وخط طول (41.6721764) شرقًا.2
من الناحية المعمارية، شُيّد مقر الجمارك كبناء حجري متين يتألف من طابقين وسطح، وهو نمط بنائي مميز حظي به بعض النبلاء والتجار المحليين في المنطقة، بخلاف نمط «العشش» الطينية والقشية الشائع الذي كان يفضله الأمراء والضباط لملاءمته الطقس الحار والرطب. وبالقياس على الوصف العام للمباني الحجرية في بلدة القحمة، فإن جدران مبنى الجمارك بُنيت بصفة عامة من أحجار الحمم البركانية المحلية (البازلت)، وسُقفت وطُليت من الخارج بطبقة من الجبس الأبيض، مما يمنحه متانة إنشائية ومظهرًا بارزًا وسط النسيج العمراني التقليدي للبلدة، فضلًا عن امتلاكه سطحًا مستويًا واسعًا يتيح رؤية بانورامية كاشفة للمنطقة المحيطة به على مسافات تصل إلى عدة أميال.3 وينطبق الأمر ذاته على مبنى المالية بمدينة القحمة، إذ يتشكلان من كتلتين رئيسيتين شُيدتا معًا في أوائل عهد الدولة السعودية؛ ليشكلا معًا مقرًا للجمارك والمالية في المنطقة.
أما اليوم، فلم يتبقَّ من مباني الجمارك والمالية سوى أجزاء بسيطة من الجدران وغرفة واحدة آيلة للسقوط، نتيجة تعرض المبنى للانهيار التام، ليقف كموقع أثري مهدّم يشهد على حقبة تاريخية مهمة، ويعكس تحديات المحافظة على التراث العمراني في ظل غياب عمليات الترميم والصيانة المستمرة.
ومن الناحية الوظيفية، أدّى المبنيان دورًا محوريًا في تنظيم الحركة التجارية وتحصيل الرسوم الجمركية والإشراف المالي، مما أكسبهما أهمية اقتصادية بارزة في تلك الحقبة. وقد أسهم موقعهما الاستراتيجي وسط القحمة بالقرب من الساحل في تعزيز مكانتهما كمركز إداري وتجاري فاعل لسنوات طويلة. وتاريخيًا، مثّل هذا المجمع العمراني أحد شواهد التنظيم الإداري والمالي المبكر في عهد الدولة السعودية، نظرًا لارتباطه الوثيق بعمليات تصدير واستيراد البضائع عبر الساحل الجنوبي الغربي للمملكة. وقد كان يقدّم خدماته للقطاعين التجاري والحكومي، وساهم في دعم التنمية المحلية في المنطقة.
يعكس الوضع العام لمبنى الجمارك والمالية بالقحمة مظهرًا عامًا مهددًا بالانهيار، وتُظهر المعطيات الراهنة أن البنية المعمارية للموقع تعاني من تدهور شديد؛ إذ يُلاحظ أن الجزء الأكبر من المبنى قد تهدّم، ولم يتبقَّ سوى غرفة واحدة آيلة للسقوط، فيما انهارت جدرانها جزئيًا، وهو ما أدى إلى تراجع حالة المبنى إلى أضعف مستوياتها. وبناءً على ذلك، يمكن وصف المستوى الإجمالي للحفاظ على مبنى الجمارك والمالية بأنه ضعيف للغاية.
ولم تُسجَّل أي أعمال ترميم أو تدخلات سابقة في مبنى الجمارك والمالية منذ إنشائه، كما لم تُسجَّل أي أعمال جارية في الموقع حاليًا قد تسهم في معالجة التدهور أو الحد من تلف البقية الباقية من عناصره المعمارية. كما لم تُجرَ على المبنى أعمال صيانة دورية تُذكر طوال فترات وجوده، وتُظهر نتائج تقييم الحالة الراهنة للموقع أن هذا التدهور جاء نتيجة غياب التدخلات الوقائية أو التصحيحية، إلى جانب عدم توفر خطة إدارة للحفاظ أو برامج صيانة تضمن استدامة الموقع.
ولقد تأثر المبنى بعوامل الزمن والظروف الطبيعية، والتعرض المستمر لعوامل طبيعية قاسية من رطوبة وأمطار وعوامل مناخية أخرى. وقد اشتد تأثير هذه العوامل البيئية الطبيعية في غياب تام لأي تدخلات بشرية مباشرة، سواء كانت إيجابية في صورة صيانة وحفظ، أو سلبية كالأعمال التخريبية أو التدخلات غير المدروسة، وهو ما أتاح لعوامل التلف أن تؤدي إلى انهيار الموقع بشكل شبه كامل.4
يفتقر مبنى الجمارك والمالية إلى مقومات الحماية الأساسية والتدابير الوقائية؛ إذ يعاني الموقع من غياب كامل للتحصينات المادية نتيجة عدم وجود أسيجة محيطة أو مناطق جغرافية عازلة تفصله عن جواره، إلى جانب خلو المحيط تمامًا من أي لوحات إرشادية أو تحذيرية تنظم الاقتراب منه.
ويتضاعف ذلك مع غياب أفراد الحراسة البشرية والأنظمة التقنية البديلة، حيث يفتقر الموقع إلى كاميرات المراقبة وأجهزة الرصد الأخرى. أما على صعيد السلامة وإدارة الطوارئ، فتسجل المؤشرات ضعفًا في سرعة الاستجابة نظرًا لبعد أقرب نقطة للدفاع المدني مسافة 2 كم عن المبنى، بالتوازي مع عدم وجود أي مؤشرات تدل على توفر تجهيزات أو خدمات إطفاء وإنقاذ ذاتية داخل المنشأة؛ مما يعكس بمجمله ضعفًا بنيويًا في منظومة الأمن والسلامة المعتمدة للموقع.5
يتسم موقع مبنى الجمارك والمالية بسهولة الوصول إليه عبر شبكة من الطرق المعبدة ، مما يتيح إمكانية الوصول باستخدام وسائل نقل متنوعة. ويمكن للزوار استخدام السيارات الصغيرة، وسيارات الدفع الرباعي (4×4)، وكذلك الحافلات للوصول إلى الموقع. وتبرز البنية التحتية للطرق في المنطقة بقدرتها على استيعاب مختلف أنواع المركبات دون الحاجة إلى وسائل نقل متخصصة. أما أقرب مطار إلى الموقع، فيقع على مسافة تقدر بنحو 180 كيلومترًا، وهو ما يوفر خيارًا بديلًا للوصول من مناطق بعيدة قبل إكمال الرحلة برًا باستخدام شبكة الطرق المتاحة.6
تعكس منظومة إدارة الزوار والتفسير في موقع مبنى الجمارك والمالية ضعفًا واضحًا على مستوى التنظيم وتقديم الخدمات، وتظهر حالة عامة من الجمود نتيجة عدم تفعيل الموقع وكونه غير مفتوح للزيارة حاليًا. وتفتقر البنية التحتية إلى المرافق الأساسية الداعمة لاستقبال الزوار، سواء من ناحية المسارات أو الحواجز التنظيمية، كما تنعدم وسائل التفسير مثل اللوحات الإرشادية أو العروض السمعية والبصرية أو المواد والمنشورات التوعوية. كما يفتقر الموقع إلى المرافق الصحية، فضلًا عن غياب أماكن الاستراحة أو المطاعم والمقاهي، ويغيب أيضًا مركز للزوار أو خدمات للمرشدين السياحيين، إضافة إلى عدم توفر تسهيلات لذوي الاحتياجات الخاصة.
ورغم وجود موقف واحد للسيارات، فإن غياب النظم الداعمة الأخرى مثل نظام التذاكر، ومتجر الهدايا، والإحصائيات الخاصة بالزوار، والموقع الإلكتروني، يؤكد محدودية قدرة الموقع على تنظيم حركة الزوار أو توفير تجربة معرفية وتفسيرية حول قيمته التاريخية والمعمارية. وعلى ضوء ذلك، يتجلى القصور في مختلف مكونات منظومة إدارة الزوار، مما يؤثر بصورة مباشرة على كفاءة التعريف بالموقع واستدامة خدماته المستقبلية.7
يقع مبنى الجمارك والمالية بالقحمة في نطاق قريب جدًا من أحد أهم الأنشطة السياحية المتكررة في المنطقة، وهو مهرجان القحمة «شتاء القحمة»، حيث لا تتجاوز المسافة الفاصلة بينهما 1 كم تقريبًا. ويوفر هذا القرب فرصة مميزة لدمج المبنى ضمن المسارات والبرامج السياحية المرتبطة بالمهرجان، بحيث يمكن أن يشكل نقطة توقف جاذبة للزوار في حال تأهيله وتفعيله مستقبلًا. كما يضفي وجود المهرجان بعدًا ديناميكيًا على الموقع ويزيد من إمكانيات الربط مع الأنشطة الثقافية والترفيهية، ويمنح الموقع إمكانية الاستفادة من الحركة السياحية الموسمية والمرافق والخدمات المؤقتة المصاحبة للأحداث.
ورغم محدودية المواقع السياحية الأخرى القريبة، إلا أن الموقع يملك قابلية عالية للدمج ضمن جولات سياحية محلية، خاصة مع كونه مرتبطًا بموقع حيوي وشريان رئيسي للحركة في القحمة. وفي حال تطوير وتأهيل المبنى، يمكن استثماره لتعظيم قيمة التجربة السياحية الشاملة في المنطقة، وربطه بشكل استراتيجي مع فعاليات ومواقع الجذب المحيطة لدعم الحراك السياحي والإسهام في دعم البنية الاقتصادية للمجتمع المحلي.8
لا يتوفر في الموقع في الوقت الراهن (أيار 2026) أي موظفين أو كوادر بشرية متخصصة لإدارة الموقع أو الإشراف عليه.9

المظهر العام لمبنى الجمارك والمالية

صورة جوية لموقع مبنى الجمارك والمالية

المبنيين الرئيسيين لمبنى الجمارك والمالية

الجدران المتبقية من المبنى الجمارك والمالية

تلف بمبنى الجمارك والمالية بفعل العوامل الطبيعية كالرطوبة

تهدم في مبنى الجمارك والمالية بفعل المطار

صورة جوية تظهر الطرق المعبدة المحاذية لمبنى الجمارك والمالية






