جاري تحميل التقرير...

يتبوأ «باب شريف» مكانةً تاريخيةً بارزة بوصفه أحد البوابات الثمانية الرئيسة لأسوار مدينة جدة العتيقة من الناحية الجنوبية، وشريانًا اقتصاديًا نابضًا عبر سوقه التراثي الذي استمد تسميته من الموقع ذاته؛ إذ يُصنف هذا السوق بوصفه أحد أقدم الأسواق الشعبية في مدينة جدة، بتاريخ يتجاوز القرن من الزمان. ويحتضن الموقع اليوم بنية تجارية نشطة قوامها نحو مائتي محل نظامي، فضلًا عن الباعة المتجولين، ليشكل مقصدًا حيويًا يعج بمختلف السلع والبضائع التي تحظى بإقبال شرائي واسع، عطفًا على معادلته الاقتصادية الجاذبة التي توازن بين انخفاض الأسعار وجودة التصنيع والخامات.1
وقد تشكّلت الملامح الأولى لهذا الفضاء التجاري، وتطورت سوسيولوجيًا وأنثروبولوجيًا عبر العقود، ارتباطًا بحركة الحجيج الكثيفة التي شهدتها المنطقة؛ إذ كان الموقع محطةً محورية لاستراحة وفود الرحمن، والتزود بالماء والمؤن، وعرض ما يحملونه معهم من متاع وزاد للبيع. وتعاظم هذا النشاط بفضل القرب الجغرافي للموقع من ساحل البحر الأحمر، دون وجود عوائق تحول دون تدفق البضائع المستوردة عبر المرفأ البحري، بالتزامن مع استيطان فئات من الحجاج الأفارقة والسودانيين في جدة. وانعكاسًا لسمة «التخصص السلعي» التي ميزت أسواق جدة، تحولت المنطقة تدريجيًا إلى سوق شعبية متكاملة الأركان، غدت مركزًا رئيسًا للأزياء التقليدية السودانية، وصنوف العطور والبخور، والملبوسات الأفريقية المتنوعة.2
ويُصنف باب شريف التراثي ضمن الفئة الخامسة في السجل الوطني للتراث العمراني، ويمتد الموقع على مساحة إجمالية تُقدَّر بنحو 33 م²، ويحظى بالحماية القانونية نظرًا لأهميته التاريخية. وتندرج ملكية الموقع ضمن الملكية العامة التابعة لوزارة الثقافة (جهة حكومية)، فيما يتولى مشروع جدة التاريخية مهام الإدارة والإشراف الفعلي عليه. ويتمركز الموقع عند الإحداثيات الجغرافية: دائرة عرض شمال (21.4810391)، وخط طول شرق (39.1873550).3
شُيّد باب شريف بوصفه بوابة للدخول إلى المدينة، واستُخدم في بنائه الحجر المنقبي ومادة النورة البيضاء (مزيج الجير والطين) ، ويبلغ ارتفاعه ثمانية أمتار، حيث يتخذ هيئة عقد مقوس يفتح باتجاه الجهة الغربية.
وتتوزع فيه نافذتان مصنوعتان من الخشب عن اليمين والشمال، يتخلل كلًّا منهما أعمدة دقيقة متقاطعة أو متوازية تُعرف بالمشبك الخشبي، حيث تتكون كل نافذة من ستة عشر عمودًا خشبيًا دقيقًا (الشكلان 4 و5). كما يعلو التقويس في المنتصف ميزاب لتصريف مياه الأمطار ، بينما صُمم سقف الباب من عناصر خشبية. ولتعزيز المتانة المعمارية، دُعمت كتلة الباب بستة أحزمة خشبية مستوية، متطابقة في التموضع ومتشابهة في المحاذاة، تمتد بعرض 15 سم على كامل امتداد الباب.
أما من الناحية الوظيفية، فإن الموقع يعكس تحولًا واضحًا؛ فبالعودة إلى جذور البوابة التاريخية، نجد أنها أُنشئت في العصر المملوكي عام 1511م بهدف الذود عن المدينة وصد غارات البرتغاليين الذين سعوا آنذاك إلى فرض هيمنتهم على الملاحة البحرية في البحر الأحمر. وقد ظلت مدينة جدة حتى عام 1366هـ (1947م) محتواة داخل سور حصين يحيط بها إحاطة السوار بالمعصم. وكان السلطان الأشرف قانصوه الغوري، آخر سلاطين المماليك البرجية في مصر، قد أمر بتشييد هذا السور عام 917هـ (1509م)، وأسند مهمة الإشراف والتنفيذ إلى القائد العسكري سعيد الكردي، الذي قام بتعبئة الطاقات البشرية من أهالي المدينة وفئاتها الاجتماعية لبناء السور، الذي تخللته ثماني بوابات رئيسة شكلت قنوات الاتصال والعبور الوحيدة لربط جدة بمحيطها الخارجي.4
وعبر «باب شريف» كان أهالي المدينة يتدفقون يوميًا لابتياع احتياجاتهم من «حراج العصر» الناشط خارجه، أو للمسير نحو تلة «قوز الهملة» المرتفعة، التي مثّلت متنفسًا ترويحيًا وبيئيًا لأهل جدة، ولا سيما كبار السن منهم، حيث كانت تشرف على مشهد بانورامي يطل على برحة باب شريف والحراج. فضلًا عن ذلك، مثّلت هذه البوابة معبرًا استراتيجيًا يربط الأحياء المحيطة، مثل بيشة وبرة ونكتو، بمركز المدينة «البلد».5 أما في الوقت الحاضر، فقد تحول الموقع إلى مزار سياحي وثقافي ضمن مشروع تطوير جدة التاريخية.6
تُصنَّف الحالة العامة للموقع بأنها جيدة نسبيًا مقارنة بغيره من المواقع، ولا سيما في ظل خضوعه لأعمال تطوير ضمن مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير جدة التاريخية عام 2021م، وهي أعمال تدخلت في صيانة الموقع ضمن منظومة تطويرية أوسع للمنطقة. كما تشير المعطيات إلى وجود صيانة دورية منتظمة، إضافة إلى إدراج الموقع ضمن خطة إدارة وحفاظ لا تزال قيد الإعداد، وهو ما يعكس توجهًا نحو تنظيم العمل المستقبلي في الموقع، رغم عدم توفر تقارير فنية موثقة حتى الآن.
ومن حيث عوامل التلف، لا تظهر مؤشرات على وجود عوامل طبيعية مؤثرة بشكل مباشر على الموقع، في حين تبرز بعض العوامل البشرية المحدودة ، مثل أعمال التخريب ووجود كتابات على جدار البوابة، إضافة إلى آثار التلوث البيئي التي انعكست في صورة بهتان في لون الحجر. وبشكل عام، يعكس الموقع حالة جيدة من حيث الحفظ، مدعومة بأعمال تطوير وصيانة مستمرة، مع وجود بعض التأثيرات البشرية المحدودة التي لا تزال بحاجة إلى معالجة.7
تعكس منظومة الحماية والأمان في الموقع مستوى متوسطًا، حيث تتوفر منطقة عازلة تسهم في تحديد نطاق الموقع وحمايته نسبيًا، إلا أن ذلك لا يقابله توفر عناصر تشغيلية كافية لتعزيز مستوى الأمان؛ إذ تغيب أنظمة الحراسة الفعلية وأنظمة المراقبة بالكاميرات، كما تغيب اللوحات التحذيرية، وهو ما يحد من فعالية إدارة السلامة داخل الموقع. ومع ذلك، فإن قرب خدمات الطوارئ يشكّل نقطة إيجابية، حيث يقع أقرب مركز صحي على بُعد نحو 240 مترًا، بينما يبعد مركز الدفاع المدني حوالي 450 مترًا، مما يعزز سرعة الاستجابة في الحالات الطارئة.8
يُظهر الموقع سهولة في الوصول، حيث يمكن الوصول إليه عبر طرق معبدة، مع توفر عدة وسائل للنقل تشمل السيارات الصغيرة والحافلات، إضافة إلى إمكانية الوصول عبر مركبات الدفع الرباعي. كما يقع أقرب مطار، وهو مطار الملك عبد العزيز، على بُعد نحو 20 كم، وهي مسافة مناسبة تسهّل وصول الزوار من خارج المنطقة. وتعكس هذه المعطيات موقعًا يسهل الوصول إليه نسبيًا ضمن النطاق الحضري لمدينة جدة، رغم عدم توفر مسارات داخلية مخصصة أو حواجز تنظيمية واضحة داخل الموقع نفسه.9
تعكس منظومة إدارة الزوار والتفسير في الموقع مستوى متواضعًا، ففيما يتعلق بالبنية التحتية، تغيب المقومات الرئيسة للخدمات الأساسية الداعمة للموقع، مثل الكهرباء والمياه والصرف الصحي ضمن نطاق الاستخدام السياحي، كما تنعدم التهيئة المناسبة للتجهيزات الميدانية التي تدعم تشغيل الموقع.
ويُلاحظ وجود محدودية واضحة في العناصر التنظيمية والخدمات الداعمة، رغم إدراج الموقع ضمن مشروع تطويري أكبر. فعلى مستوى إدارة الزوار، تغيب عناصر تنظيمية أساسية، مثل نظام التذاكر، ومواقف السيارات، ومركز الزوار، إضافة إلى ضعف الاهتمام بالمرافق الخدمية كالمرافق الصحية وأماكن الاستراحة، مما يحد من قدرة الموقع على استيعاب الزوار وتقديم تجربة متكاملة.
أما من ناحية التفسير، فتنعدم الوسائل التفسيرية المتنوعة، حيث لم يُجهَّز الموقع بأدوات تعريفية مثل اللافتات الإرشادية أو المنشورات أو العروض السمعية والبصرية، كما لم تُهيَّأ خدمات الإرشاد السياحي أو المحتوى متعدد اللغات، وهو ما يؤثر في قدرة الزائر على فهم القيمة التاريخية والمعمارية للموقع.10
يتميّز الموقع التاريخي لباب شريف بمدينة جدة بكونه مرتكزًا طبوغرافيًا ونواةً لمنظومة سياحية متكاملة، تتشابك مفاصلها مع حزمة من المقومات الأثرية والبيئية والثقافية في منطقة «جدة التاريخية» (البلد).11 فمن المنظور الأثري والتاريخي، يكتسب الباب عمقًا استراتيجيًا نتيجة مجاورته لـبيت نصيف الأثري، أحد أبرز الحواضن العمرانية والثقافية في قلب التراث الحجازي، على مسافة تقديرية تقارب 450 مترًا،12 مما يدرج الموقع تلقائيًا ضمن مسارات العمارة الحجازية القديمة ورواشينها الخشبية الفريدة، فضلًا عن ارتباطه النسبي بسور جدة القديم وحصونها الدفاعية المندثرة التي شكّل الباب أحد بواباتها الجنوبية الرئيسة.13
كما يتداخل البعد التجاري المعاصر مع العمق الدفاعي التاريخي المتمثل في النطاق الجغرافي لحارة اليمن العريقة وطراز التشييد المعتمد على الحجر المنقبي،14 وصولًا إلى المحيط التاريخي لـ«برحة نصيف» ومقاعدها الاجتماعية التاريخية.15
ويتقاطع هذا الثراء التراثي مع امتداد ثقافي وحضري وبيئي، تتجلى ذروته السياحية في الفعاليات والأنشطة المفتوحة لموسم رمضان في جدة التاريخية، على بُعد نحو 500 متر، بما تضمه من ساحات مضاءة بالفوانيس ومسارات مشاة مفتوحة،16 وصولًا إلى واجهة جدة البحرية، الواقعة على مسافة قصيرة بالسيارة، بما تحمله من تنوع بصري وبيئي مرتبط بساحل البحر الأحمر.17
وعلى صعيد الأنثروبولوجيا الثقافية والحراك الاجتماعي، يرتبط الباب مكانيًا ووجدانيًا بسوق باب شريف والأسواق الشعبية المجاورة له، مثل سوق العلوي وسوق البدو،18 وتكتمل هذه التجربة المعرفية بروافد تراثية متخصصة، مثل بيت المتبولي الأثري،19 بالتوازي مع الفعاليات الاقتصادية والثقافية المستدامة التي تشهدها المنطقة التاريخية المسجلة لدى اليونسكو.20 كما تتوفر خيارات إقامة تراثية وعصرية ضمن الفنادق المحيطة بمنطقة البلد التاريخية. ويحوّل هذا المزيج المتنوع باب شريف من مجرد أثر عمراني وبوابة تاريخية إلى حجر زاوية في مسار سياحي وثقافي يدمج الأصالة المادية بالحيوية الثقافية للمنطقة.
لا تتوفر كوادر بشرية مدربة أو مخصصة لإدارة الموقع أو تشغيله حتى تاريخ إعداد التقرير (مايو 2026).

الشكل العام للموقع

الحجر المنقبي الذي شيدت به البوابة

القوس الذي يتجه إلى الغرب في بوابة الشريف

النافذة الأولى المكونة من مشبك خشبي

النافذة الثانية المكونة من المشابك الخشبية

الميزاب في أعلى منتصف البوابة لتصريف المياه

تفاصيل السقف الخشبي والأحزمة الخشبية التدعيمية الستة لكتلة الباب

إلقاء النفايات داخل عتبة بوابة الموقع

مسافة أقرب مطار للموقع








