جاري تحميل التقرير...

يقع بئر التفلة في مركز عسفان التابع لمحافظة الجموم ضمن منطقة مكة المكرمة، ويُعد من أبرز مواقع التراث الأثري في المنطقة ذات البعد الإسلامي، التي تعكس الامتداد الحضاري المتصل بموارد المياه التقليدية في الحجاز.1 كما يرتبط اسمه بواقعة تاريخية ذات دلالة؛ إذ يُروى أن النبي ﷺ مرّ بالبئر في عام الفتح، وكانت مياهها مالحة غير صالحة للشرب، فتفل فيها ودعا لها، فأصبحت مياهها عذبة، ومن هذه الحادثة استمدت البئر تسميتها بـ"التفلة"، وظلت تُعرف بعذوبة مياهها وبركتها حتى اليوم.2
يتميز البئر بتصميم معماري دائري الشكل، حيث بُني بعناية فائقة من الحجارة البركانية المشذبة والمطوية من الأسفل إلى الأعلى، مع تدعيمها بمادة "الجص" لضمان التماسك والاستدامة. وتبلغ مساحة المحيط الخارجي للبئر نحو 5 أمتار، بارتفاع يصل إلى 1 متر عن سطح الأرض، بينما يمتد عمقها التقريبي إلى 20 مترًا.
ومن الناحية الوظيفية والجمالية، يضم الموقع درجًا مكوّنًا من ثلاث عتبات تُسهّل الوصول، بالإضافة إلى عمودين متقابلين ثُبّتت عليهما بكرة مخصصة لسحب المياه، مما يُبرز الأسلوب التقليدي في استغلال الموارد المائية.3
ومن الناحية الوظيفية لبئر التفلة، فقد تحوّل الموقع ليصبح معلمًا سياحيًا وتراثيًا،4 يستحضر أحداث السيرة النبوية، ومنها ما شهده "غدير ذات الأشطاط" القريب من تجليات الحكمة النبوية وعمق الشورى؛ حيث عقد النبي ﷺ مجلسًا استشاريًا مع أصحابه حين بلغه خروج قريش لصدهم في عام الحديبية، مؤكدًا رؤيته الاستراتيجية الساعية للسلام بقوله: «إنما جئنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد». ويهدف هذا التحول الوظيفي للموقع، تحت رعاية هيئة التراث، إلى الحفاظ على القيمة المعنوية والمعمارية للبئر بوصفها شاهدًا حيًا على مبادئ السلم والحكمة السياسية في السيرة النبوية الشريفة.5
يظهر الموقع بحالة عامة متوسطة، حيث يعكس حالة بين الاستقرار والتدهور الجزئي ، دون أن يرتقي إلى مستوى المواقع التي خضعت لصيانة منتظمة أو إدارة فعالة. وقد شهدت منطقة بئر التفلة أعمال ترميم سابقة عام 2015م6 ضمن جهود مجموعة أصدقاء التراث العمراني في محافظة جدة، وبدعم من الهيئة العامة للسياحة والآثار آنذاك. إلا أن الحالة الراهنة لا تعكس استمرارية هذه الجهود، إذ لا تظهر مؤشرات لبرامج صيانة دورية، كما تفتقر المنطقة إلى خطط إدارة وحفاظ واضحة، إضافة إلى غياب تقارير فنية متخصصة ومحدثة توثّق حالة الموقع بشكل منهجي.
وفي المقابل، يشهد الموقع توجهًا حديثًا نحو التطوير من خلال إطلاق مشروع تطوير وتأهيل المواقع التاريخية الإسلامية (بئر عسفان)، وهو مشروع تعاوني تقوده هيئة التراث بالشراكة مع وزارة الثقافة، والهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأمانة منطقة مكة المكرمة، ويهدف إلى إعادة تأهيل الموقع وتحسين حالته بما يتناسب مع قيمته التاريخية والدينية.
أما من حيث عوامل التلف، فتتمثل العوامل الطبيعية في تأثير الرطوبة التي أدت إلى تقشر سطحي في طبقات الدهان ، مما يعكس تأثر المواد الإنشائية بالعوامل البيئية. في حين تظهر العوامل البشرية بشكل واضح في تراكم المخلفات، خاصة داخل تجويف البئر ، وهو ما يشير إلى ضعف في إدارة الموقع ومحدودية إجراءات الحماية والصيانة الدورية.7
تتمتع منطقة بئر التفلة ببنية أساسية للحماية المادية تتمثل في وجود سور حجري يحيط بالموقع على مساحة تُقدّر بنحو 300 متر مربع، وهو ما يسهم في تحديد حرم الموقع وحمايته من التعديات الإنشائية أو العشوائية. ورغم توفر هذا الساتر الفعلي، فإن المنظومة الأمنية والوقائية الحالية تفتقر إلى العناصر التشغيلية والتقنية؛ إذ يغيب النطاق العازل (Buffer Zone) المحيط بالسور، كما تفتقر المنطقة إلى خدمات الحراسة البشرية المباشرة أو أنظمة المراقبة التقنية والكاميرات، بالإضافة إلى خلو الموقع من اللوحات التحذيرية والإرشادية اللازمة لتوجيه الزوار وضمان سلامتهم.
أما على صعيد الاستجابة للطوارئ وإدارة المخاطر، فإن الموقع يستفيد من قربه النسبي من الخدمات اللوجستية في مدينة عسفان؛ إذ تقع أقرب نقطة للدفاع المدني على مسافة 2 كم، بينما يبعد المركز الطبي نحو 1.9 كم، مما يعزز من سرعة التدخل في حالات الطوارئ. وبشكل عام، يمكن تقييم مستوى السلامة والأمن في الموقع بأنه يعتمد بدرجة كبيرة على القرب من المراكز الخدمية الحيوية، في حين يحتاج الجانب الوقائي والرقابي داخل الموقع نفسه إلى تطوير وتفعيل لضمان أمن الزوار والمحافظة على سلامة المعلم التراثي.8
يتميز الموقع بسهولة الوصول عبر شبكة من الطرق المعبدة التي تسمح بمرور مختلف فئات المركبات، بما في ذلك السيارات الصغيرة وسيارات الدفع الرباعي (4×4).
كما يستمد الموقع ميزته اللوجستية من القرب المكاني لمطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة، حيث يبعد عنه مسافة 52 كيلومترًا فقط.9
يحتفظ الموقع بطبيعته الخام مع خلوّه من المرافق الأساسية والمسارات المحددة، بينما تقتصر العناصر الإنشائية فيه على الحواجز القائمة التي تنظّم المداخل أو تحدد النطاق الجغرافي للمساحة.10
ويفتقر موقع بئر التفلة إلى الحد الأدنى من البنية التحتية السياحية والمعايير التنظيمية اللازمة لاستيعاب التدفقات البشرية أو تقديم تجربة معرفية متكاملة؛ إذ تقتصر المنظومة الحالية على لوحة تحذيرية يتيمة عند البوابة ، تخلو من أي محتوى تفسيري أو تاريخي، مما يترك الزائر في حالة من العزلة المعرفية عن القيمة التاريخية والدينية للموقع. ويعكس الغياب التام لمركز الزوار، والمنشورات التعريفية، والمحتوى الرقمي، والإرشاد البشري، فجوة عميقة في جانب "التفسير" الذي يمثل روح المواقع التراثية.
أما من الناحية التشغيلية، فإن انعدام الخدمات الأساسية كالمرافق الصحية، وأماكن الاستراحة، ومواقف السيارات، ومرافق ذوي الاحتياجات الخاصة، يشير إلى قصور حاد في إدارة الموقع، مما يحوله من وجهة سياحية محتملة إلى مجرد مَعلم معزول يفتقد إلى وسائل الراحة والسلامة. كما أن غياب أنظمة الإحصاء والمتابعة الرقمية يحرم الإدارة من القدرة على تقييم مستوى الإقبال أو التخطيط المستقبلي لتطوير الموقع، مما يجعل المنظومة الحالية في حالة جمود تنظيمي تتطلب تدخلاً عاجلًا لربط القيمة التاريخية للبئر بخدمات زوار مهنية تلبي تطلعات السياح والباحثين.11
يقع بئر التفلة في مركز عسفان ضمن نطاق جغرافي يضم مجموعة من المعالم التراثية والطبيعية المترابطة التي تشكل مسارًا سياحيًا متكاملًا. وتبرز الأهمية المكانية للموقع من خلال قربه من قلعة عسفان التاريخية، التي تتربع على تلة بازلتية وتبعد عن البئر مسافة تقديرية تبلغ 3.5 كم،12 مما يعكس الترابط الوظيفي بين القلعة كمقصد للتأمين والحماية، والبئر كمصدر أساسي للمياه. كما يبعد عن سوق عسفان الأثري بنحو 1.8 كم، مما يربط المعلم بالنشاط التجاري القديم للمنطقة.
ويتسع السياق الطبيعي للموقع ليشمل غدير ذات الأشطاط، الذي له مكانة في عهد النبي ﷺ، حيث شهد إسلام بريدة الأسلمي وصحبه ليلة الهجرة، وكان موردًا لهدي المسلمين ومنطلقًا لعيون الاستطلاع في عام الحديبية.13 ويبعد هذا الغدير عن بئر التفلة مسافة تقارب 1.7 كم .14 ويُظهر هذا التوزيع الجغرافي ترابط بئر التفلة مع سلسلة من المعالم المائية والطبيعية التي ميّزت طرق القوافل التاريخية و"طريق الهجرة النبوية". إن وجود هذه المعالم ضمن نطاق جغرافي متصل وبمسافات متقاربة يجعل من الموقع ركيزة أساسية في أي مسار سياحي يستهدف توثيق التراث المعماري والمعالم المرتبطة بالسيرة النبوية في المنطقة.
يفتقر موقع بئر التفلة حاليًا إلى وجود كادر إداري متخصص أو موظفين ميدانيين يتبعون قطاع إدارة الموارد البشرية، حيث يُدار الموقع كمعلم تراثي مفتوح دون وجود هيكل تنظيمي بشري دائم في مقره.15

بئر التفلة

خارطة قوقل موقع بئر التفلة

يظهر البئر بحالة عامة متوسطة

تآكل فتحة البئر وتلفها وتقشير الدهان

تراكم المخلفات داخل تجويف البئر

اللوحة التحذيرية في بئر عسفان

قرب بئر التفلة من مواقع الجذب السياحي كسوق عسفان وغدير ذات الأشطاط وقلعة عسفان






