جاري تحميل التقرير...

تقع منطقة حِمى الثقافية شمال مدينة نجران، وهي موقع أثري ثقافي مفتوح يضم مساحة واسعة من النقوش الصخرية وآبارًا تاريخية في بيئة صحراوية (الشكل 1، 2). وهي مُدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2021م، بوصفها سادس موقع سعودي ينضم إلى القائمة، كما تُصنَّف ضمن السجل الوطني للتراث العمراني في الفئة الثالثة نظرًا لقيمتها التاريخية والتراثية، وتُدار من قبل هيئة التراث (جهة حكومية).
وبحسب بيانات الموقع على منصة اليونسكو، تبلغ مساحة المنطقة 2.4 كيلومتر مربع، وتضم نحو 550 لوحة فن صخري تحتوي على مئات الآلاف من النقوش والرسوم. ويُحدَّد مركز المنطقة الأثرية جغرافيًا بدقة بالإحداثيات التالية: خط العرض 18.251° شمالًا، وخط الطول 44.450° شرقًا.
يشمل مركز المنطقة الأثرية 22 نقشًا و6 آبار، ويضم أيضًا عددًا من المواقع الأثرية البارزة، من بينها جبل صيدح، وجبل حِمى، وموقع عان جمل، وشِسعا، والكوكب، إلى جانب آبار حِمى الأثرية التي حُفرت معظمها في الصخور. وتُعد هذه المعالم شاهدًا على عمق الحضارة والتاريخ العريق للمنطقة، إذ تحيط بها الجبال والكهوف من جميع الجهات ما عدا الجهة الشرقية، وتزخر بكمٍّ كبير من الرسوم والنقوش الصخرية التي تمثل رموزًا لغوية وأشكالًا آدمية وحيوانية متنوعة. (الشكل 3، 4)
ويمتد الإطار الزمني لموقع حِمى إلى عصور ما قبل التاريخ، حيث يعود إلى العصر الحجري الحديث (نحو الألف السابع قبل الميلاد)، مرورًا بفترات تاريخية متعاقبة تشمل حضارات قديمة، مثل نقوش تعود إلى مملكة حمير في القرن السادس الميلادي، وفترات ما قبل الإسلام، وصولًا إلى نقوش مبكرة من العهد الإسلامي.
وقد جعل هذا التسلسل الزمني الفريد المنطقة بمثابة سجل حي لتاريخ الإنسان والبيئة في الجزيرة العربية عبر آلاف السنين؛ فالموقع يُمثّل سجلًا مفتوحًا يؤرخ لأحداث رئيسة مرّت بالمنطقة. ومن أبرز تلك النقوش نقش الملك الحميري "يوسف آسار يثأر"، آخر ملوك حمير، المعروف عند المؤرخين العرب بـ(يوسف ذو نواس)، والذي سجّل فيه انتصاره على الأحباش. وقد عُثر على هذا النقش في جبل حماطة، وهو مؤرخ بسنة 633 بالتوقيت الحميري، الموافق سنة 518م.
وشكّلت حِمى محطة رئيسة على طريق القوافل القديم بين جنوب الجزيرة العربية وشمالها، حيث كانت تُستخدم كموقع للتزوّد بالماء والراحة، إضافة إلى كونها نقطة لتحصيل الرسوم (محطة جمارك قديمة) للقوافل المارة. وقد وفّرت الآبار الصخرية مياهًا عذبة للمسافرين والجيوش عبر القرون، مما جعل المنطقة مركزًا بشريًا نشطًا لفترات طويلة، ولا تزال بعض آبارها تعطي مياهًا عذبة حتى اليوم.
ويُعد الموقع حاليًا ذا طابع محفوظ للأغراض الثقافية والسياحية بوصفه موقعًا للتراث العالمي، كما يُعد أكبر متحف مفتوح للنقوش الصخرية في المملكة. ولا توجد استخدامات معمارية حديثة في الموقع؛ إذ خُصِّص للحفاظ على التراث، وللبحوث العلمية، وزيارات السياح المهتمين بالآثار.
يتميّز الموقع بدرجة عالية من السلامة العامة، إذ بقيت العناصر الصخرية الطبيعية والنقوش عليها متماسكة دون وجود انهيارات واضحة. كما أن أغلب الرسومات والنقوش محفوظة في مواقعها الأصلية وبحال جيدة جدًا، ويرجع ذلك إلى الظروف البيئية الجافة.
وتشير الدلائل العلمية إلى وجود بعض آثار التجوية والتشققات في الألواح الصخرية التي حدثت بعد النقش، إلا أنها لم تؤثر بشكل خطير على وضوح النقوش أو استقرار الكتل الصخرية، مما يسمح بتصنيف السلامة الإنشائية للموقع بأنها سليمة، حيث لا توجد مشكلات هيكلية كبيرة ظاهرة، وفق تقييمات اليونسكو والصور المتداولة.
وخلال الزيارة الميدانية، أظهرت الملاحظات أن عوامل التلف الطبيعية محدودة، مثل وجود مجرى سيول بجانب الآبار، في حين تُعد عوامل التلف البشرية محدودة وغير مؤثرة على حالة الحفاظ، وتتمثل في بعض الأخطاء الطفيفة في بعض عمليات الترميم السابقة.
وقد نُفِّذت عمليات ترميم ممنهجة قبل وبعد تسجيل الموقع ضمن قائمة التراث العالمي عام 2021م، شملت أعمال تنظيف وتسييج جزئي لبعض النقوش والآبار، ضمن جهود تهيئة الموقع لاستقبال الزوار. كما أُعدّت خطة إدارة شاملة عام 2018م تضمنت معايير واضحة ومسؤوليات محددة للحفاظ على الموقع.
وقد أشرفت هيئة التراث بالتعاون مع اليونسكو على آخر أعمال الترميم التي نُفِّذت في المنطقة خلال الفترة من 20/09/2025 إلى 20/01/2026، والتي هدفت إلى الحفاظ على الآبار الأثرية، وبلغت قيمة المشروع نحو 7 ملايين ريال (1.87 مليون دولار).
كما أظهرت الدراسات السابقة، التي نفذتها فرق سعودية ودولية قبل إدراج الموقع ضمن قائمة التراث العالمي، توثيقًا واسعًا للنقوش والمواقع الأثرية؛ حيث كشف مسح سعودي–ياباني مشترك عام 2002م عن نحو 90 نقشًا جديدًا موزعة في مواقع مختلفة داخل حِمى.
يمتلك الموقع شبكة حماية متكاملة تراعي قيمته التاريخية؛ إذ إنه مُسيَّج بسور شبكي يغطي مساحة 572 كيلومترًا مربعًا. كما يتمتع الموقع بمنطقة عازلة رسمية معتمدة تبلغ مساحتها نحو 77,255 هكتارًا (أي ما يعادل تقريبًا 772 كيلومترًا مربعًا)، وذلك بحسب ملف اليونسكو الخاص بالمنطقة.
وتحيط هذه المنطقة العازلة الشاسعة بالموقع، ويُحظر فيها القيام بأي أنشطة إنشائية أو زراعية أو تعدينية قد تؤثر سلبًا على المشهد الطبيعي أو سلامة الموقع الأثري، مما يجعلها بمثابة خط دفاع أول يوفر للموقع مساحة أمان كافية في مواجهة أي تطوير حديث غير ملائم.
ويمتلك الموقع أيضًا شبكة مراقبة داخلية تشمل 12 كاميرا، إضافة إلى 4 حراس يعملون بصورة دائمة، فضلًا عن 4 لوحات إرشادية تهدف إلى تعزيز السلامة العامة، وذلك وفق تقرير الرصد الميداني للموقع.
وفيما يتعلق بسلامة مرتادي المنطقة، فإن طبيعتها الجبلية واتساع مساحتها وتنوع تضاريسها تفرض مخاطر ينبغي التحوّط لها. كما أن الموقع يقع بعيدًا نسبيًا عن المستشفيات الرئيسة ومراكز الدفاع المدني مقارنةً بمواقع أثرية أخرى؛ إذ يبعد نحو 70 كيلومترًا عن مركز الدفاع المدني في محافظة ثار، مع توفر مركز طبي أولي على مسافة 6.5 كيلومتر.
يمكن الوصول إلى موقع حِمى عبر شبكة الطرق الإقليمية، حيث يُعد الطريق الرئيس هو طريق نجران – الرياض المعبّد الذي يمر بالقرب من المنطقة. ويبعد موقع الآبار والنقوش نحو 5–10 كم عن الطريق العام، عبر طريق فرعي غير معبّد (مسار صحراوي).
ويُعد هذا المسار الترابي صالحًا لمركبات الدفع الرباعي، إلا أنه يتطلب الحذر أثناء القيادة، خاصة عند عبور الكثبان الرملية أو الوديان الصغيرة . ونظرًا لبعد الموقع عن المدن وخطوط النقل المنتظمة، لا تتوافر وسائل نقل عام للوصول مباشرة إلى موقع حِمى.
وتُعد مدينة نجران أقرب نقطة حضرية، ومع ذلك لا توجد حافلات أو رحلات منتظمة منها نحو ثار/حِمى، لذا يعتمد الوصول إلى الموقع على المركبات الخاصة أو الرحلات السياحية المنظمة، سواء بجهود الزوار أنفسهم أو عبر وكالات السياحة.
يتوافر في موقع منطقة حِمى الثقافية مواقف سيارات تتسع لنحو 30 مركبة، إضافة إلى وجود مبنى مركز زوار، إلا أنه مغلق، ولا تظهر دلائل واضحة على وجود تشغيل منتظم أو طاقم دائم، أو خدمات زوار متكاملة مثل مكتب استقبال رسمي، أو معارض تفسيرية، أو مرافق خدمية مكتملة.
ويقتصر دور المركز – وفق الملاحظة الميدانية – على كونه نقطة تعريفية محدودة، أكثر من كونه مركز خدمة زوار متكامل (الشكل 8، 9). ويمكن توصيف إدارة الزوار والتفسير في منطقة حِمى الثقافية بأنها في مرحلة أولية وغير مكتملة التشغيل؛ إذ يتوافر أساس ميداني (مركز زوار غير مفعّل، ولوحات تعريفية محدودة، ودورات مياه غير مجهزة وبعيدة)، في مقابل غياب منظومة تشغيلية متكاملة تشمل التفسير، والخدمات، وتنظيم الزيارة.
كما يحتاج الموقع إلى تطوير البنية التحتية لشبكات المياه والكهرباء والاتصالات.
تقع منطقة حِمى الثقافية في نطاق جغرافي بعيد نسبيًا عن مركز مدينة نجران، إذ تبعد عنها مسافة تقديرية تقارب 120–130 كم شمالًا، مما يجعلها موقعًا ذا طابع صحراوي منعزل نسبيًا عن الكتلة الحضرية الرئيسة.
وعلى الرغم من هذا البعد، يحيط بالموقع عدد من المعالم الطبيعية والأثرية القريبة نسبيًا، التي تشكّل امتدادًا سياحيًا وجغرافيًا متصلًا مع حِمى، من أبرزها سد مخش، وقوس حِمى، وجبل صعمر الأثري، وهي مواقع تقع ضمن النطاق الجغرافي نفسه، وتُعد جزءًا من المشهد الثقافي والطبيعي للمنطقة، وتُذكر في الخرائط والمصادر المحلية بوصفها معالم معروفة بالقرب من الموقع.
كما تقع محمية عروق بني معارض الطبيعية على مسافة تقارب 186 كيلومترًا، ويرتبط الموقع كذلك ارتباطًا طبيعيًا بسيل وادي نجران، الذي يُعد من أبرز المعالم الطبيعية في المنطقة، ويمثل عنصرًا بيئيًا وتاريخيًا مهمًا أسهم في تشكيل أنماط الاستيطان والحركة البشرية في نجران ومحيطها، ويمكن اعتباره معلمًا طبيعيًا رئيسًا ضمن السياق الجغرافي الأوسع لزيارة حِمى.
ومن حيث النشاط السياحي المنظم، تقوم بعض شركات السياحة المحلية ومكاتب الإرشاد بتنظيم جولات إلى منطقة حِمى، من بينها منصات وشركات مثل (مرشدك، ووادي تريب)، حيث تشمل هذه الجولات عادة توفير مرشد سياحي متخصص ومركبات دفع رباعي مناسبة لطبيعة الموقع الصحراوية.
يعمل في موقع حِمى الثقافي أربعة حراس، وقد أوصى تقرير اليونسكو، عند تسجيل الموقع ضمن قائمة التراث العالمي، بضرورة تعزيز الموارد البشرية في الموقع بشكل عاجل.

إحدى واجهات النقوش في الموقع

أحد آبار حمى

رموز لغوية منقوشة على أحد الصخور في المنطقة

نقوش حيوانية في الموقع

شبك حديدي يحيط بالموقع

لافتة سلامة عامة إرشادية في الموقع

شبكة الطرق الفرعية المؤدية إلى قلب منطقة حمى الثقافية

مبنى مركز زوار حمى

لافتة تعريفية بالموقع

المناطق الأثرية القريبة من حمى، وهي جبل صعمر وقوس حمى وسد مخش









