جاري تحميل التقرير...

تعد جدة التاريخية (البلد) موقعًا بارزًا للتراث العمراني في مدينة جدة التابعة لمنطقة مكة المكرمة، وتتوسط المنطقة قلب المدينة، حيث تمتد على مساحة إجمالية تُقدر بنحو 2.5 كم²، وتكتسب مكانتها أهمية استثنائية بوصفها موقعًا تراثيًا عالميًا ومزارًا سياحيًا حيويًا يضم مجموعة متنوعة من الأسواق والمطاعم والمقاهي.
ويُصنف الموقع ضمن الفئة الأولى وفق السجل الوطني للتراث العمراني، نظرًا لقيمته التاريخية والثقافية والأثرية التي أهلته للإدراج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2014م. وتعود ملكية الموقع إلى جهة حكومية (ملكية حكومية)، بينما يتولى برنامج جدة التاريخية مهام الإشراف والتشغيل الفعلي للموقع، وتقع إحداثيات الموقع عند خط طول 39.1867723 شرقًا، ودائرة عرض 21.4867303 شمالًا.1
شُيِّدت مباني منطقة جدة التاريخية (البلد) باستخدام المواد التقليدية المحلية، وتعكس أنماط الاستقرار البشري والعمراني التي سادت المنطقة عبر القرون الماضية. ويقع الموقع ضمن النطاق الحضري الذي أسهم في تشكيل هويته المكانية والعمرانية، حيث تمنحه تفاصيله المعمارية طابعًا هندسيًا مميزًا انعكس على أنماط البناء والاستقرار.2
وتضم جدة التاريخية عددًا من المعالم والمباني الأثرية والتراثية، مثل آثار سور جدة وحاراتها التاريخية: حارة المظلوم، وحارة الشام، وحارة اليمن، وحارة البحر. كما يوجد بها عدد من المساجد التاريخية، أبرزها: مسجد عثمان بن عفان، ومسجد الشافعي، ومسجد الباشا، ومسجد عكاش، ومسجد المعمار، وجامع الحنفي، إضافة إلى الأسواق التاريخية.3
واليوم تبرز قيمة الموقع التاريخية من خلال معالمه، التي يعود بعضها إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ويتميز الموقع بتخطيط عمراني تقليدي يعتمد على مبانٍ متراصة ، وتتميز المباني بتعدد طوابقها، حيث ينقسم الاستخدام الداخلي إلى طابق أرضي مخصص لاستقبال الضيوف، وطوابق علوية مخصصة لسكن العائلة . ويضم الموقع ساحات مفتوحة تربط بين أجزائه المختلفة ، وشبكة من الممرات والأزقة الضيقة التي تربط بين أجزاء المدينة وتفصل بين كتلها العمرانية . كما يضم مجموعة من العناصر المعمارية ذات السمات الفريدة، كالرواشين التي تغطي مساحات كبيرة من واجهات البيوت ، والتي تتباين في أحجامها بناءً على الحالة الاقتصادية لأصحابها، بالإضافة إلى وجود بوابات تاريخية ، وأسواق شعبية ، ومساجد أثرية قديمة، وتجتمع كل تلك العناصر معًا لتمنحه طابعًا بصريًا موحدًا يعبر عن هويته المحلية.4
وقد أدى الموقع تاريخيًا وظيفة محددة بوصفه بلدة تجارية وسكنية، حيث استفاد من مكوناته العمرانية المتكاملة لخدمة الأنشطة المرتبطة به في تلك الفترة. وتعكس مبانيه المتجاورة أهميته الاقتصادية والاجتماعية خلال الفترات السابقة، ودورها في تلبية احتياجات السكان.5
وفي عام 2014م، تم تسجيل منطقة جدة التاريخية كثالث موقع تراث عالمي بالمملكة العربية السعودية لدى اليونسكو. وتنبع قيمة جدة التاريخية، بوصفها موقعًا مسجلًا للتراث العالمي، من موقعها الاستراتيجي، وأهميتها التاريخية في العالم الإسلامي، وعمارتها الفريدة. وتمتد جدة التاريخية على طول ميناء جدة الإسلامي، الذي كان لقرون مركزًا لاستقبال الحجاج القادمين بحرًا والبضائع التي كانت تجلب عبر طريق التجارة بالمحيط الهندي. وكانت محاطة بسور عُرف بأنه حمى المدينة من حصار البرتغال عام 1517م.6
أما في الوقت الحاضر، فتتمثل الوظيفة الحالية للموقع في كونه موقعًا ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو ومزارًا سياحيًا يضم عددًا من الأسواق والمطاعم والمقاهي، مما يسهم في استمراره بوصفه شاهدًا تراثيًا بارزًا ومعلمًا أثريًا يتطلب المحافظة على عناصره وإبراز قيمته التاريخية.
ويُعبِّر الموقع عن فترة زمنية محددة، إذ تعود الفترة الزمنية للموقع إلى عام 1050م، مما يجسد جانبًا من الإرث العمراني والتاريخي الذي ينبغي الاهتمام به، لكونه جزءًا من الموروث العمراني الوطني.7
تحظى منطقة جدة التاريخية بنسق متكامل من عمليات الصيانة والحفاظ المعماري، مما يجعلها بحالة جيدة، حيث يقود برنامج جدة التاريخية، تحت إشراف وزارة الثقافة، جهود تطوير البلد في مشروع إعادة إحياء جدة التاريخية، سعيًا إلى أن تكون منارة للثقافة والفنون ووجهة تراثية عالمية مستدامة تولد فرصًا للتنمية المجتمعية والاقتصادية عبر الاستثمار في تراثها وثقافتها.8
وفي سياق تحقيق هذه الأهداف، تخضع جدة التاريخية لبرنامج تأهيل مستمر تشرف عليه وزارة الثقافة، يهدف إلى الارتقاء بالمجالات العمرانية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والبيئية للموقع، وتوفير المرافق والخدمات الأساسية. وقد تقرر تمديد العمل بالبرنامج لعامين إضافيين حتى عام 1448هـ، وفقًا لقرارات المجلس، لضمان استمرارية تنفيذ الأهداف التنموية للموقع.
ويتم حاليًا تنفيذ أعمال تأهيل تهدف إلى إعادة إحياء النسيج العمراني للموقع وتوظيفه لاستخدامات معاصرة تشمل الأنشطة التجارية، والضيافة، والمرافق الثقافية، والسكنية.
وقد شملت جهود الترميم السابقة مشروعًا لترميم 56 مبنى من المباني الآيلة للسقوط كمرحلة أولى، بدأت بتاريخ 7 رمضان 1440هـ، بتكلفة 50 مليون ريال، بهدف تعزيز السلامة العامة للمباني في الموقع والحفاظ على الهوية المعمارية. وتستمر جهود التأهيل ضمن رؤية برنامج مشروع جدة التاريخية لتعزيز استدامة الموقع وتكامل خدماته.9
ويُطبق برنامج صيانة دورية منتظمة ضمن إطار عمل برنامج مشروع جدة التاريخية لضمان ديمومة العناصر التراثية، مع العمل على إعداد خطة الإدارة والحفاظ الشاملة للموقع، ومتابعة حالته من خلال التقارير الفنية الدورية الصادرة عن البرنامج.
ويتأثر الموقع بعوامل طبيعية تتمثل في الرطوبة التي تسببت في تآكل بعض الأخشاب ، وتقشر الطبقات الخارجية لواجهات المباني ، وانهيار أجزاء منها ، ضمن المباني الآيلة للسقوط . أما العوامل البشرية، فعلى الرغم من قلة التدخلات السلبية التي تؤثر على سلامة الموقع، إلا أن هنالك بعض التجاوزات، تتمثل في ترك المخلفات في الموقع ، وتستوجب طبيعة البناء التقليدي مراقبة مستمرة لضمان استقرار العناصر المعمارية.10
تُصنف حالة الحماية والأمان في الموقع بأنها متطورة، حيث يعتمد الموقع على منظومة أمنية متكاملة تدمج بين التواجد البشري المكثف وتقنيات الرصد الحديثة لضمان سلامة النسيج التراثي. وعلى الرغم من غياب الأسوار التقليدية أو المناطق العازلة، إلا أن الموقع يعوض ذلك باعتماده على نظام حراسة بشري يتكون من ثلاثين فردًا، ويدعم الموقع بأنظمة مراقبة تقنية تضم 350 كاميرا، بالإضافة إلى تسيير دوريات أمنية مستمرة. ومع ذلك، يبرز احتياج فني لتعزيز الإجراءات التوجيهية من خلال توفير لوحات تحذيرية وإرشادية تعزز الوعي الأمني والتنظيمي داخل النطاق العمراني للموقع.
وفيما يخص الجاهزية لحالات الطوارئ وسرعة الاستجابة، يتمتع الموقع بمؤشرات أداء مرتفعة نظرًا لقربه من الخدمات المساندة والأمنية الأساسية؛ حيث يبعد مركز الدفاع المدني مسافة تقديرية تبلغ 500 م، بينما يقع المركز الطبي على مسافة لا تتجاوز 700 م، مما يضمن تدخلًا سريعًا وفعالًا في حال حدوث أي طوارئ فنية أو عرضية.11
وإلى جانب ذلك، يوجد نظام تقليدي موازٍ يتبع وزارة الداخلية، وهو المسؤول عن الرعاية الاجتماعية للسكان والترتيبات الأمنية في المنطقة بالتنسيق مع الشرطة والدفاع المدني. ويسمح هذا النظام التقليدي، الذي يعتمد على شخصية العمدة المحورية، بالوصول إلى كافة شرائح السكان وإشراك التجار وجمعيات الملاك في إدارة الموقع.12
يتمتع موقع جدة التاريخية بإمكانية وصول مباشرة عبر شبكة من الطرق المعبدة التي تسهل تنقل الزوار باستخدام السيارات الصغيرة ، كما تتوفر محطات للنقل العام تعزز من مرونة التنقل داخل الموقع.
وفيما يتعلق بالربط الإقليمي، يرتبط الموقع بمطار الملك عبد العزيز الدولي، الذي يقع على مسافة تقارب 25 كم.13 وهو ما يجعل من جدة التاريخية مركزًا حضريًا متصلًا بكفاءة عالية، يجمع بين سهولة الحركة المحلية والوصول الدولي المباشر.
تتميز منظومة إدارة الزوار في جدة التاريخية ببنية تحتية خدمية واسعة النطاق، تعزز من تجربة الزيارة من خلال توفير مواقف للسيارات وتسهيل الحركة عبر مسارات خاصة ومرافق مجهزة لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يعكس اهتمامًا بتهيئة البيئة العمرانية لاستيعاب التدفقات البشرية. وتتكامل هذه الخدمة مع شبكة تجارية وتنشيطية تضم العديد من المطاعم والمقاهي ومحلات الهدايا، فضلًا عن توفير مرافق صحية، مما يمنح الموقع جاذبية سياحية مستدامة. ورغم اعتماد آليات تنظيمية، كالنظام اليدوي لتذاكر الدخول في بعض المرافق الخاصة، يبرز احتياج فني لتعزيز أطر الاستدامة من خلال تفعيل مراكز زوار متخصصة، وإيجاد أماكن استراحة إضافية، وتطوير قواعد بيانات دقيقة لإحصائيات الزوار، التي تعد ركيزة أساسية في تقييم أداء الموقع وتطوير استراتيجيات الإدارة.
وفيما يخص الجانب التفسيري والإثرائي، يعتمد الموقع على استراتيجية تواصل متعددة القنوات؛ إذ تسهم المنشورات التوعوية التابعة لبرنامج جدة التاريخية، والموقع الإلكتروني المتاح باللغتين العربية والإنجليزية، في تعزيز المعرفة الثقافية لدى الزوار. ويتعزز هذا الأداء بوجود مرشدين سياحيين مؤهلين يضفون بعدًا تفاعليًا على الجولات، مدعومين بيافطات إرشادية موزعة استراتيجيًا عند المداخل الرئيسة للموقع . ومع ذلك، تشير قراءة تقييمية للمنظومة التفسيرية إلى فاعلية هذه الأدوات التقليدية، مقابل ضرورة التوسع في استخدام التقنيات الحديثة، كالعروض السمعية والبصرية التفاعلية، التي من شأنها تحويل المعطيات التاريخية إلى تجربة سردية متكاملة تليق بعمق تاريخ الموقع، وتلبي تطلعات الزوار.14
تتمتع منطقة جدة التاريخية (البلد) بموقع محوري يشكل نقطة انطلاق سياحية تتكامل جغرافيًا ووظيفيًا مع منظومة ممتدة من المعالم الأثرية، والوجهات الطبيعية، والحواضر الثقافية المحيطة بها، بما يعزز قيمتها المشتركة بوصفها بوابة رئيسة لساحل البحر الأحمر.
حيث يندمج الموقع عضويًا مع شواهده الحية، مثل بيت نصيف على بعد 600 م، ومسجد الشافعي على مسافة لا تزيد عن 450 م، كما يبعد عن قصر خزام مسافة 6 كم، ويتكامل مع المتاحف القريبة التي توثق تراث الحجاز، كمتحف جدة الإقليمي على مسافة 7.5 كم، ومتحف مدينة الطيبات (على بعد 12-15 كم)، مما يمنح الزائر مسارًا متسلسلًا يربط العمارة المشربية بالمقتنيات النادرة.
كما يتصل النسيج العمراني للمنطقة بسلاسة مع الواجهة البحرية؛ إذ يبعد مسافة 8 كم عن كورنيش الحمراء، ونافورة الملك فهد على مسافة تقدر بنحو 4.8 كم، ويمتد ليتكامل مع الواجهات البحرية (على بعد 4.8 كم) من ميناء جدة الإسلامي، ليصنع مسارًا بيئيًا مفتوحًا ووجهة سياحية مليئة بالمناظر الطبيعية.
وتُعد أيضًا المنطقة مسرحًا مفتوحًا يحتضن الفعاليات العالمية والمحلية، مثل مهرجان البحر الأحمر السينمائي، الذي يبعد مسافة 1 كم فقط، وفعاليات موسم جدة على مسافة تقدر بنحو 23 كم، وتتكامل جغرافيًا مع المرافق الإبداعية، فضلًا عن قربها من مراكز التسوق والضيافة الحديثة على مسافة تقريبية 2-3 كم، مما يوفر تجربة سياحية متكاملة تلبي كافة التطلعات.15
وتؤكد خطط وزارة الثقافة وبرنامج تطوير جدة التاريخية أن هذا الترابط المكاني بين النسيج الأثري والمؤهلات الطبيعية يمثل نموذجًا للاستدامة السياحية، مما يسهم في تعزيز التدفقات السياحية وتحويل المنطقة إلى محور تنموي يربط عراقة الجذور بآفاق الرؤية المستقبلية.16
تعتمد الإدارة التشغيلية لموقع جدة التاريخية على طاقم بشري مؤهل يتكون من 50 موظفًا، موزعين بدقة لضمان أمن الموقع وسلاسة تنظيمه، حيث يضم الفريق 40 حارس أمن يتولون حماية النسيج التراثي وتنظيم حركة الزوار على مدار الساعة، يساندهم 10 مشرفين للمتابعة الميدانية والتنسيق اللوجستي، مما يضمن توفير بيئة سياحية آمنة ومستدامة تلبي المعايير الدولية لإدارة المواقع الأثرية.17

مشهد عام لموقع جدة التاريخية

الموقع الجغرافي لجدة التاريخية

مباني جدة التاريخية المتراصة

تنظيم الطوابق والخصوصية الاجتماعية في عمارة البلد التاريخية

ساحات تربط بين أجزاء الموقع

الممرات الضيقة بين المباني

رواشين جدة التاريخية

البوابات الخشبية التقليدية للمباني والمحلات التجارية

الأسواق الشعبية في جدة التاريخية

تآكل الأخشاب بفعل عوامل الرطوبة

تقشر الطبقات الخارجية للواجهات

انهيار أجزاء من المبنى في الجزء العلوي

مباني آيلة للسقوط

المخلفات في أزقة الموقع

الطرق المعبدة المحيطة بالموقع

وجود اليافطات الإرشادية على المداخل الرئيسية

قرب جدة التاريخية من مواقع الجذب السياحي
















