جاري تحميل التقرير...

يقع "موقع قرية تبوك الأثري" في قرية العيينة شمال غرب محافظة تبوك، ويُعد من أكبر المستوطنات البشرية مكتملة التخطيط العمراني التي تعود إلى العصر البرونزي، إذ يعكس نموذجًا فريدًا للتنظيم المكاني من خلال تكامل عناصره المعمارية، ويمثل أحد أهم الحواضر الأثرية ومركزًا تجاريًا مهمًا على طريق التجارة الذي ربط شمال وجنوب شبه الجزيرة العربية، ليكون أيقونة تراثية تروي تاريخ المنطقة العريق.1 2
ويُصنف موقع قرية تبوك الأثري ضمن الفئة الخامسة (Tier 5) في السجل الوطني للتراث العمراني، ويمتد على مساحة إجمالية تُقدَّر بـ 7 كم². ويمثل الموقع حاليًا نموذجًا متكاملًا للاستيطان البشري القديم يعكس القيمة التاريخية والتراثية والمعمارية للمملكة. وتندرج ملكية الموقع ضمن الملكية العامة (وزارة الثقافة)، فيما تتولى هيئة التراث مهام الإشراف والتشغيل الفعلي والإدارة له. ويتمركز الموقع عند الإحداثيات الجغرافية التالية: دائرة عرض شمالًا (28.783861)، وخط طول شرقًا (36.011417).3
يجسد موقع قرية تبوك الأثري نموذجًا عمرانيًا متكاملًا يعكس مستوى متقدمًا من التنظيم المكاني، حيث يقوم على توزيع متوازن للعناصر البنائية بما يتلاءم مع طبيعة التضاريس والبيئة المحيطة . ويتكون النسيج العام للموقع من مجموعة من الوحدات المعمارية ، إلى جانب وحدات منفردة تُظهر تنوع التكوين المعماري داخل الموقع ، وترتبط هذه المكونات فيما بينها عبر مسارات وفراغات داخلية، مما يخلق نظامًا عمرانيًا مترابطًا يعكس فهمًا دقيقًا لاحتياجات الاستقرار البشري في تلك الفترة.
كما يحتوي الموقع على 40 عنصرًا معماريًا تتنوع بين الأساسات الحجرية وبعض الفتحات البنائية التي توضح الشكل العام والتصميم الهندسي للوحدات ، حيث تبرز مهارة نحت الحجر وتراصّه. كما يبرز الجانب التوثيقي والجمالي من خلال 120 نقشًا صخريًا موزعة على الأسطح الحجرية والعناصر المعمارية ، والتي تُعد من أهم المكونات البصرية التي تُضفي هوية تاريخية فريدة على الموقع، وتوثق لغات وحضارات الأقوام التي استوطنته.
وقد استُخدم الموقع مستوطنةً بشريةً متكاملة ، حيث وفرت البيئة العمرانية اللازمة للسكن والإدارة وإيواء القوافل التجارية. أما اليوم فقد تحول إلى موقع أثري مغلق مخصص لأعمال التنقيب والحماية التراثية، بعيدًا عن الاستخدامات المدنية الحديثة. وتعود أصول هذا النسيج العمراني إلى العصر البرونزي، وهي الحقبة التي تشكلت فيها النواة الأولى لهذا النظام المستقر الذي استمر أثره المعماري شاخصًا حتى اليوم.4
يُظهر موقع قرية تبوك الأثري حالةً متوسطةً من الحفظ، إذ مثّلت أعمال التنقيب التي جرت عام 2021م نقطة تحول في تحديد عمر الموقع . فقد كشفت التنقيبات الميدانية أن نشأة هذه الواحة الحضرية تعود إلى فترة أقدم بنحو 1000 عام مما رصدته الدراسات السابقة، التي كانت قد حددتها بمطلع الألف الأول قبل الميلاد. كما أُجريت عمليات تنقيبية وبحثية قادها فريق مشترك من هيئة التراث وجامعة فيينا النمساوية، وظّف أساليب ميدانية ومخبرية حديثة ومتعددة لاستخراج معطيات جديدة. وقد استهدفت أعمال التنقيب عناصر عدة موجودة في الموقع، وشملت الخطة الميدانية رفع عينات منتظمة ومدروسة منه، جرى إخضاعها للفحص عبر تقنية الوميض المحفز وتقنية الكربون المشع.5
كما تؤكد السجلات التاريخية للموقع خضوعه لأعمال ترميم سابقة، في حين تفتقر التقارير الحالية إلى التفاصيل الفنية الدقيقة المتعلقة بطبيعة تلك الترميمات ومواضعها، وتخلو الفترة الراهنة من أي أعمال جارية. وينحصر التوثيق الفني في تقارير فنية دورية تتمثل في "حولية أطلال" الصادرة لرصد وتوثيق المستجدات الأثرية بالموقع.
وقد خضع الموقع لمجموعة من عوامل التلف الطبيعية والبشرية. فعلى مستوى عوامل التلف الطبيعية، يتأثر الموقع بشكل مباشر بنشاط الرياح والأمطار، إلى جانب ظاهرة تكدس الرمال، مما أسفر عن تضرر مواد البناء الأساسية وانهيار بعض الجدران الأثرية . وعلى الصعيد البشري، تعرض الموقع لسلوكيات سلبية ناتجة عن التخريب والإهمال، وتتمثل مظاهرها في الكتابة بالطلاء على الشواهد الأثرية ، بالإضافة إلى ترك بعض مخلفات مواد البناء داخل المحيط الأثري.6
يتسم موقع قرية تبوك الأثري بمنظومة حماية وأمان أساسية تهدف إلى ضبط الوصول إلى الموقع والمحافظة على عناصره الأثرية، حيث يحيط به سياج معدني يعمل سورًا حدوديًا يحدد نطاق الموقع ويمنع التعديات غير المنظمة ، بما يتناسب مع طبيعته كموقع أثري مفتوح ضمن مساحة واسعة. ويُعد هذا السور عنصرًا تنظيميًا أكثر منه بنية عازلة نظرًا لاتساع الموقع وطبيعته الجغرافية.
وعلى مستوى التنظيم الميداني، يعتمد الموقع على حراسة بشرية محدودة تتألف من ثلاثة أفراد، إلى جانب نظام مراقبة يقوم على الجولات الرقابية الدورية داخل نطاق الموقع، بما يضمن متابعة الحركة الميدانية ورصد أي تجاوزات محتملة. إضافةً إلى ذلك، تشمل إجراءات الحماية المطبقة في الموقع تغطية الوحدات المعمارية المكتشفة بأقمشة الجيوتكستايل لحمايتها من عوامل التعرية بعد انتهاء أعمال التنقيب.
وفيما يتعلق بخدمات الطوارئ، يرتبط الموقع بشبكة دعم خارجية تشمل أقرب مركز للدفاع المدني على مسافة تقارب 26 كم، إضافة إلى وجود مركز طبي على بعد يقارب 14 كم، مما يعزز مستوى الاستجابة في الحالات الطارئة رغم البعد النسبي عن الموقع. ويخضع الموقع لإشراف الجهة المختصة بإدارة وحماية التراث الوطني، والمتمثلة في هيئة التراث، التي تتولى مسؤولية تنظيم الحماية الميدانية وضمان استدامة الموقع وحفظ قيمته الأثرية ضمن الإطار النظامي المعتمد في المملكة العربية السعودية.7
تُظهر إمكانية الوصول إلى موقع قرية تبوك الأثري مستوى متوسطًا، حيث يعتمد الوصول إليه بشكل رئيس على طرق غير معبدة في محيطه القريب، الأمر الذي قد يؤثر في سهولة الوصول، خاصة في الظروف الجوية غير المستقرة. وعلى الرغم من ذلك، يبقى الموقع قابلًا للوصول عبر وسائل نقل متعددة تشمل السيارات الصغيرة ومركبات الدفع الرباعي (4×4)، التي تُعد الأنسب لطبيعة المسارات المحيطة، إضافة إلى إمكانية استخدام الحافلات ضمن نطاق المنطقة.8
ومن ناحية البنية الداعمة، تتوفر شبكة اتصالات في محيط الموقع، إلا أن فعاليتها قد تكون متفاوتة تبعًا لطبيعة التضاريس الجغرافية. كما يتمتع الموقع بارتباط جيد بشبكة النقل الإقليمية، حيث يقع أقرب مطار، وهو مطار الأمير سلطان بن عبدالعزيز، على بُعد يقارب 75 كم، مما يعزز إمكانية الوصول إلى المنطقة من خارجها ويزيد من ارتباطها بالمراكز الحضرية.9
تُظهر إدارة الزوار في الموقع مستوى متوسطًا من التنظيم، مع توفر بعض العناصر الأساسية، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى تطوير في جانب التفسير وتقديم المحتوى بما يحقق تجربة أكثر تكاملًا للزوار. ويتسم نمط الإتاحة في الموقع بسهولة الوصول وغياب القيود الإجرائية، وهو ما يعزز من قابلية الزيارة، غير أن هذا النمط لا يترافق مع تنظيم واضح لحركة الزوار أو تحديد للطاقة الاستيعابية، الأمر الذي ينعكس على كفاءة إدارة التجربة الميدانية داخل الموقع منذ لحظة الوصول وحتى التنقل داخله.
وفيما يتعلق بالخدمات التفسيرية، يقتصر التوجيه داخل الموقع على وجود لوحتين تفسيريّتين ، إحداهما داخل الموقع والأخرى خارجه، حيث تتسمان بمحدودية المحتوى، وتفتقران في بعض جوانبهما إلى الدقة العلمية والوضوح الكافي، مما يحد من فاعليتهما في تقديم سرد متكامل للقيمة التاريخية والأثرية للموقع. ويترتب على ذلك ضعف قدرة الزائر على فهم مكونات الموقع ودلالاته الحضارية، في ظل غياب عناصر الإرشاد التفاعلي والمحتوى التفسيري الداعم. وبناءً عليه، تتضح الحاجة إلى تطوير منظومة أكثر شمولًا تجمع بين تنظيم إدارة الزوار وتعزيز جودة التفسير، بما يرفع من مستوى التجربة السياحية والمعرفية في الموقع.10
يقع موقع قرية تبوك الأثري ضمن نطاق جغرافي يرتبط بعدد من المقومات الطبيعية والثقافية في منطقة تبوك، مما يعزز من حضوره ضمن المشهد التراثي والسياحي للإقليم. ويبعد الموقع نحو 17 كم عن قرية العيينة وحوالي 76 كم عن مركز مدينة تبوك، الأمر الذي يربطه بشبكة الطرق والخدمات الإقليمية ويُسهم في تسهيل الوصول إليه. كما يتكامل الموقع بصريًا مع البيئة الطبيعية المحيطة التي تتمثل في التكوينات الصخرية والسهول الصحراوية المميزة للمنطقة، والتي تشكل جزءًا من السياق الطبيعي الذي يحتضن الموقع الأثري ويعكس الخصائص الجغرافية لشمال غرب المملكة.11
وعلى المستوى الثقافي والسياحي، يقع الموقع ضمن نطاق يضم عددًا من المواقع التراثية والأثرية البارزة في منطقة تبوك، مما يتيح إمكانية ربطه بمسارات الزيارة الثقافية في المنطقة. كما يستفيد من الجهود الوطنية الرامية إلى حماية التراث الثقافي وتعزيز حضوره ضمن المشهد السياحي، من خلال المبادرات والبرامج التي تنفذها الجهات المختصة، بما في ذلك هيئة التراث ووزارة السياحة. ويسهم هذا التكامل المكاني والثقافي في تعزيز القيمة السياحية للموقع وإبراز دوره بوصفه أحد الشواهد الأثرية المهمة التي تعكس تاريخ الاستيطان البشري في شمال غرب شبه الجزيرة العربية.12
تقتصر الموارد البشرية على الحراسة فقط دون وجود كوادر مؤهلة أخرى تتولى الجوانب التنظيمية والتشغيلية.13

المشهد العام لموقع قرية تبوك الأثري

صورة جوية لموقع قرية تبوك الأثري

التضاريس المحيطة بالموقع

بقايا وحدات معمارية

وحدات معمارية منفردة مغطاة بسبب أعمال التنقيب

فتحات حجرية (كهوف)

النقوش الحجرية

الوحدات الاستيطانية المكتشفة ضمن أعمال التنقيب

جانب من أعمال التنقيب الأثري

انهيار الجدران

التعدي البشري والكتابة على الجدران الصخرية

السياج المعدني لموقع قرية تبوك الأثري

إجراءات حماية الوحدات المعمارية المكتشفة

اللوحات التفسيرية داخل وخارج الموقع













